وقوله تعالى :﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ أي إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.
فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى :﴿ وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ يعني أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشهدوا على حقكم على كل حال، وقال الشعبي والحسن : هذا الأمر منسوخ بقوله :﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ ﴾ [ البقرة : ٢٨٣ ]، وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري « أن النبي ﷺ ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ، فنادى الأعربي النبي ﷺ فقال : إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي قال : أوليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي : لا والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ :» بل قد ابتعته منك « فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول : هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي : ويلك إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقاً، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيداً يشهد أني بايعتك، قال خزيمة : أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال » بم تشهد «؟ فقال : بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين » ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ ابن مردويه والحاكم في مستدركه عن النبي ﷺ قال :« ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلا مالاً فلم يشهد ».
وقوله تعالى :﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ قيل : معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يُمْلَى، ويشهد هذا بخلاف ما سمع، أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة، وقيل : معناه لا يُضِرُّ بهما.


الصفحة التالية
Icon