قال ابن عباس : حضرَتْ عصابة من اليهود نبي الله ﷺ فقالوا : حدثنا عن خلالٍ نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، قال :« سلوني عما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام »، قالوا : فذلك لك، قالوا : أخبرنا عن أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى، وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه. فقال :« أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها »؟ فقالوا : اللهم نعم : فقال :« اللهم اشهد عليهم »، وقال :« أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله » قالوا : نعم. قال :« اللهم اشهد عليهم »، وقال :« وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ » قالوا : اللهم نعم، قال :« اللهم اشهد ». قال :« وإن وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه »، قالوا : فعند ذلك نفارقك ولو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى :﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ﴾ [ البقرة : ٩٧ ] الآية.
وقال ابن جريج، عن ابن عباس : كان إسرائيل عليه السلام - وهو يعقوب - يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عَرْقاً، ولا يأكل ولد ما له عَرْق، فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناباً به واقتداء بطريقه، وقوله :﴿ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة ﴾ أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فإنها ناطقة بما قلناه، ﴿ فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب مِن بَعْدِ ذَلِكَ فأولئك هُمُ الظالمون ﴾ أي فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً، وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعوا إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرنا ﴿ فأولئك هُمُ الظالمون ﴾، ثم قال تعالى :﴿ قُلْ صَدَقَ الله ﴾ أي قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ﴿ فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى :