[ آل عمران : ١١٢ ] أي بعهد وذمة، وقيل :﴿ بِحَبْلِ الله ﴾ يعني القرآن كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعاً في صفة القرآن :« هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم ».
وروى ابن مردويه عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه ».
وقوله تعالى :﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :« إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً : يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاَّه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثاً : قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ».
وقوله تعالى :﴿ واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحن، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم صاروا إخواناً متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله؛ متعاونين على البر والتقوى. قال الله تعالى :﴿ هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [ الأنفال : ٦٢-٦٣ ] إلى آخر الآية. وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم، بما فضَّل عليهم في القسمة بما أراده الله، فخطبهم فقال :« يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي!! وكنتم متفرقين فألفكم الله بي! وعالة فأغناكم الله بي!؟ » فكلما قال شيئاً قالوا : الله ورسوله أمنُّ.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره : أن هذه الآية نزلت في شأن ( الأوس والخزرج )، وذلك أن رجلاً من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الإتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم، وطلبو أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول :« أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهرركم؟ » وتلا عليهم هذه الآية فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح رضي الله عنهم.