﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [ محمد : ٤ ]، ولهذا قال هاهنا :﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم ﴾ أي هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام.
ثم قال تعالى :﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا ﴾ أي أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال :﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً ﴾ أي ليهلك أمة ﴿ مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ ﴾ أي يرجعوا ﴿ خَآئِبِينَ ﴾، أي لم يحصلوا على ما أملوا، ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له فقال تعالى :﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾، أي بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى :﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب ﴾ [ الرعد : ٤٠ ]، وقال :﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ [ البقرة : ٢٧٢ ]، وقال :﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ [ القصص : ٥٦ ]، وقال محمد بن إسحاق في قوله :﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. ثم ذكر بقية الأقسام فقال :﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال :﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أي يستحقون ذلك، قال البخاري : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله ﷺ يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله تعالى :﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ الآية. وقال البخاري أيضاً، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعوا على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع وربما قال : إذا قال :« سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد : اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر :« اللهم العن فلاناً وفلاناً » لأحياء من أحياء العرب حتى أنزل الله :﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ الآية.
وقال الإمام أحمد : عن أنَس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أُحُد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال :« كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عزّ وجلّ » فأنزل الله :﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾.
وقال ابن جرير : عن قتادة قال : أصيب النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول :« كيف بقوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ؟ » فأنزل الله :﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ الآية.
ثم قال تعالى :﴿ وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ الآية، أي الجميع ملك له وأهلهما عبيد بين يديه، ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ أي هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾.