يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى :﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ على أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ﴾، ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه فقال تعالى :﴿ بَلِ الله مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ الناصرين ﴾، ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال :﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب بِمَآ أَشْرَكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين ﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال :« أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » وقال الإمام أحمد : عن أبي موسى قال، قال رسول الله ﷺ :« أعطيت خمساً : بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً » قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ :« إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب » وقوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ قال ابن عباس : وعدهم الله النصر، ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أي تقتلونهم ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ أي بتسليطه إياكم عليهم ﴿ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ الفشل : الجبن ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ ﴾ كما وقع للرماة ﴿ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ وهو الظفر بهم ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ أي غفر لكم ذلك الصنيع. قال ابن جريج : قوله :﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ قال : لم يستأصلكم ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين ﴾.
عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر، أنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله :﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾، فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ وعصوا ما أمروا به أفرد النبي ﷺ في تسعة، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم ﷺ، فلما أرهقوه قال :


الصفحة التالية
Icon