قال البخاري عن البراء قال : لما نزلت ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ وقال البخاري أيضاً عن سهل بن سعد الساعدي : أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد قال : فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملي عليَّ :﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ، قال : يا رسول الله : والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ وكان فخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن تُرضَّ فخذي ثم سري عنه فأنزل الله :﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾.
وعن ابن عباس قال :﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾، عن بدر والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم : إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت :﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ ﴾ على القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر. فقوله ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ كان مطلقاً فلما نزل بوحي سريع ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ صار ذلك مخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين قال ابن عباس :﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ وكذا ينبغي أن يكون كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال :« إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه قالوا : وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال : نعم حبسهم العذر » وفي رواية عن النبي ﷺ قال :« » لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه « قالوا : وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله؟ قال :» نعم حبسهم العذر « قال الشاعر في هذا المعنى :
وقوله تعالى :﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ أي الجنة والجزاء الجزيل، وفيه دلالة على ان الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية، قال تعالى :﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾ ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنات العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة والبركات، إحساناً منه وتكريماً ولهذا قال :﴿ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾.يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر ومن أقام على عذر فقد راحا
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال :» إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض «.