﴿ إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ [ آل عمران : ٥٥ ] الآية، فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك، لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا - كما ظن اليهود - أن المصلوب هو المسيح بن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال إنه خاطبها والله أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين :﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ أي رأوا شبهه فظنوه إياه ولهذا قال :﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ يعني ذلك من ادعى أنه قتله من اليهود ومن سلمه إليهم من جهال النصارى كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال. ولهذا قال :﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أي وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزاً ﴾ أي منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه، ﴿ حَكِيماً ﴾ أي في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على اصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، فخرج عليهم ورأسه يقطر ماء، فقال : إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال، ثم قال : أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثم سناً، فقال له : اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال : اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال : أنا، فقال : هو أنت ذاك، فأُلقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال : وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة : كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء ( اليعقوبية ) وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء ( النسطورية ) وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء ( المسلمون ) فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى يبعث الله محمداً ﷺ.


الصفحة التالية
Icon