[ التحريم : ١٢ ] إلى آخر السورة. وقال تعالى إخباراً عن المسيح :﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ [ الزخرف : ٥٩ ] الآية، وقال قتادة :﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ هو كقوله :﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾ [ آل عمران : ٥٩ ]. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سنان الوسطي قال : سمعت شاذ بن يحيى يقول في قول الله :﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ قال : ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى، وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله ﴿ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ﴾ أي أعلمها بها كما زعمه في قوله :﴿ إِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ [ آل عمران : ٤٥ ] أي يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كقوله تعالى :﴿ وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ [ القصص : ٨٦ ]، بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى عليه السلام، وقال البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال :« من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وإن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل » وقوله في الآية والحديث :« وروح منه » كقوله :﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ [ الجاثية : ١٣ ] أي من خلقه ومن عنده وليست ( من ) للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله :﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي ورسول منه، وقال غيره : ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله :﴿ هذه نَاقَةُ الله ﴾ [ الأعراف : ٧٣، هود : ٦٤ ]، وفي قوله :﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ [ الحج : ٢٦ ]، وكما روي في الحديث الصحيح :« فأدخل على ربي في داره » أضافها إليه إضافة تشريف وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.
وقوله تعالى :﴿ فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ ﴾ أي فصدقوا بأن الله واحد أحد لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى :﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ﴾ أي لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذه الآية والتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى :﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله وَاحِدٌ ﴾ [ المائدة : ٧٣ ]، وكما قال في آخر السورة المذكورة :﴿ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني ﴾ [ المائدة : ١١٦ ] الآية. وقال في أولها :﴿ لَقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ ﴾ [ المائدة : ٧٢ ] الآية، والنصارى عليهم لعائن الله من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهاً، ومنهم من يعتقده شريكاً، ومنهم من يعتقده ولداً، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال : لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا عن أحد عشر قولاً.


الصفحة التالية
Icon