وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس. كما قال الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها كانت تحدث « أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت، فقلت : ما شأنك يا رسول الله؟ قال :» ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة « قالت : فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال :» من هذا «؟ فقال : أنا سعد بن مالك، فقال :» ما جاء بك «؟ قال : جئت لأحرسك يا رسول الله، قالت : فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه »، أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ : سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة مقدمة المدينة، يعني على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة رضي الله عنها وكان ذلك في سنة ثنتين منها، وعنها قالت : كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية :﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ قالت فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، وقال :« يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنا الله عزَّ وجلَّ ».
ومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه ابي طالب إذ كان رئيساً مطاعاً كبيراً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه ( أبو طالب ) نال منه المشركون أذى يسيراً ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود، وكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر، فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمّه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جداً يطول ذكرها. وقوله :﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ﴾ أي بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى :﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ [ البقرة : ٢٧٢ ]، وقال :﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب ﴾ [ الرعد : ٤٠ ].