فقوله :﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾، تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال :﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق ﴾ أي مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به، وقد روى النسائي عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه :﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾. عن ابن عباس في قوله :﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي مع محمد ﷺ وأمته، هم الشاهدون يشهدون لنبيهم ﷺ أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، وكانوا ( كرّابين ) يعني فلاحين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم. قال تعالى :﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَآءَنَا مِنَ الحق وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين ﴾، وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى :﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خاشعين للَّهِ ﴾ [ آل عمران : ١٩٩ ] الآية، وهم الذين قال الله فيهم :﴿ وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ [ القصص : ٥٣ ]، ولهذا قال تعالى هاهنا :﴿ فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ أي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي ماكثين فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون، ﴿ وذلك جَزَآءُ المحسنين ﴾ أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الإشقياء فقال :﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ ﴾ أي جحدوا بها وخالفوها، ﴿ أولئك أَصْحَابُ الجحيم ﴾ أي هم أهلها والداخلون فيها.


الصفحة التالية
Icon