يقول الله تعالى لرسوله ﷺ :﴿ قُل ﴾ يا محمد ﴿ لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب وَلَوْ أَعْجَبَكَ ﴾ أي يا أيها الإنسان ﴿ كَثْرَةُ الخبيث ﴾ يعني أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار كما جاء في الحديث :« ما قل وكفى خير مما كثر وألهى » وقال أبو القاسم البغوي عن أبي أمامة : إن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال النبي ﷺ :« قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه »، ﴿ فاتقوا الله ياأولي الألباب ﴾ أي يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوه عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال :« لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر »، وقال البخاري عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها :« لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً » قال فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، لهم حنين، فقال رجل : من أبي؟ قال :« فلان »، فنزلت هذه الآية :﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ﴾، وعن أبي هريرة قال :« خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان محمار وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل، فقال : أين أبي؟ قال :» في النار «، فقام آخر فقال : من أبي؟ فقال :» أبوك حذافة «، فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً، إنَّا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك. والله أعلم من آباؤنا. قال : فسكن غضبه. ونزلت هذه الآية :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ الآية »، إسناده جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم السدي. قال البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل : من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾، حتى فرغ من الآية كلها.