[ الأحقاف : ٢٧ ]، فالمراد لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال عكرمة عن ابن عباس :﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ من القرى ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ من القرى، وقال أبو العالية :﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون المراد ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ في الزمان، وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن تكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس، فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ فتعين أن المراد في المكان وهو ما حولها من القرى كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي عن أبي العالية :﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ﴾ أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم، وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عكرمة ومجاهد :﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ من ذنوب القوم ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى الرازي ثلاثة أقوال أحدها : أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها. والثاني : المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأُمم. والثالث : أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده وهو قول الحسن. ( قلت ) : وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها من بحضرتها من القرى يبلغهم خبرها وما حل بها كما قال تعالى :﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ القرى ﴾ [ الأحقاف : ٢٧ ] الآية، وقال تعالى :﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ [ الرعد : ٣١ ] الآية، وقال تعالى :﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ﴾ [ الأنبياء : ٤٤ ] فجعلهم عبرة ونكالاً لمن في زمانهم وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال :﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة، قال الحسن : فيتقون نقمة الله ويحذرونها، وقال السُّدي :﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أُمّة محمد ﷺ. ( قلت ) المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم كما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :« لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل » وهذا إسناد جيّد، والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon