يقول تعالى :﴿ وَ ﴾ اذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به، ﴿ يَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ يعني الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ﴿ يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس ﴾ أي يقول يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف، ومعنى قوله :﴿ استكثرتم مِّنَ الإنس ﴾ أي من إغوائهم وإضلالهم، كقوله تعالى :﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابني ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ [ يس : ٦٠-٦١ ]، وقال ابن عباس :﴿ يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس ﴾ يعني أضللتم منهم كثيراً، ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ : يعني أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا، قال ابن أبي حاتم عن الحسن في هذه الآية قال : استكثرتم من أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض، قال الحسن : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلاّ أن الجن أمرت وعملت الإنس. وقال ابن جريج : كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول : أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان - فيما ذكر - ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون : قد سدنا الإنس والجن ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ قال السدي : يعني الموت، ﴿ قَالَ النار مَثْوَاكُمْ ﴾ أي مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ ﴾ أي ماكثين فيها مكثاً مخلداً إلاّ ما شاء الله، قال بعضهم : يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ، وقال بعضهم : هذا رد إلى مدة الدنيا، وقيل : غير ذلك من الأقوال، وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿ قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ ﴾ قال : إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا ناراً.