لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله :﴿ وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه ﴾ [ الأنعام : ١٥٣ ] عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال :﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب ﴾ وكثيراً ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة كقوله تعالى :﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً وهذا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ [ الأحقاف : ١٢ ].
وقال تعالى مخبراً عن المشركين :﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى ﴾ [ القصص : ٤٨ ].
وقال تعالى مخبراً عن الجن :﴿ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يهدي إِلَى الحق ﴾ [ الأحقاف : ٣٠ ] الآية.
وقوله تعالى :﴿ تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً ﴾ أي آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماماً كاملاً جامعاً لما يحتاج إليه في شريعته، كقوله :﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [ الأعراف : ١٤٥ ] الآية.
وقوله تعالى :﴿ عَلَى الذي أَحْسَنَ ﴾ أي جزاء على إحسانه في العمل وقيامة بأوامرنا وطاعتنا، كقوله :﴿ هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان ﴾ [ الرحمن : ٦٠ ]، وكقوله :﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [ السجدة : ٢٤ ].
وقال الربيع بن أنس ﴿ تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ ﴾ يقول : أحسن فيما أعطاه الله، وقال قتادة : من أحسن في الدنيا تم له ذلك في الآخرة، واختار ابن جرير أن تقديره :﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَاماً ﴾ على إحسانه، فكأنه جعل الذي مصدرية، كما قيل في قوله تعالى :﴿ وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ﴾ [ التوبة : ٦٩ ] أي كخوضهم، وقال ابن رواحة :
وثبت الله ما آتاك من حسن | في المرسلين ونصراً كالذي نصروا |
وقال البغوي : المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني أظهرنا فضله عليهم.
قلت : كقوله تعالى :﴿ قَالَ ياموسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ [ الأعراف : ١٤٤ ] ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل عليهما السلام لأدلة أخرى. وقوله تعالى :﴿ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه ﴿ لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين.