يقول تعالى آمراً نبيه سيد ﷺ المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ أي قائماً ثابتاً ﴿ مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾، كقوله :﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [ البقرة : ١٣٠ ]، وقوله :﴿ وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [ الحج : ٧٨ ]، وقوله :﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجتباه وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [ النحل : ١٢٠-١٢١ ]، وليس يلزمه من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه عليه السلام قام بها قياماً عظيماً، وأكملت له إكمالاً تاماً لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل عليه السلام. وقد كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال :« أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين »، وقال الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :« قيل لرسول الله ﷺ أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال :» الحنيفية السمحة « ».
وقوله تعالى :﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى :﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر ﴾ [ الكوثر : ٢ ] أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، قال مجاهد : النسك : الذبح في الحج والعمرة، وقال سعيد بن جبير ﴿ وَنُسُكِي ﴾ قال : ذبحي، وكذا قال السدي والضحاك، وعن جابر بن عبد الله قال : ضحّى رسول الله ﷺ في يوم عيد النحر بكبشين، وقال حين ذبحهما :« وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين » وقوله عزَّ وجلَّ :﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين ﴾ قال قتادة : أي من هذه الأمة، وهو كما قال : فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه :


الصفحة التالية
Icon