يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى :﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك ﴾ كله فهي كالحجارة التي لا تلين أبداً، ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال :﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [ الحديد : ١٦ ] فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة، بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشدَّ قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية ومنها ما يشقَّق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جارياً، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال تعالى :﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ [ الإسراء : ٤٤ ]. والمعنى : وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تُدْعون إليه من الحق.
وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله :﴿ يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ [ الكهف : ٧٧ ]. قال الرازي والقرطبي : ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى :﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ [ الأحزاب : ٧٢ ] وقال :﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ ﴾ [ الإسراء : ٤٤ ] الآية، وقال :﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ ﴾ [ الرحمن : ٦ ] وقال :﴿ قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ [ فصلت : ١١ ] وفي الصحيح :« هذا جبل يحبنا ونحبه »، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم :« إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن »، وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلم بحق يوم القيامة وغير ذلك مما في معناه.
( تنبيه ) اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى :﴿ فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك فقال بعضهم ( أو ) هاهنا بمعنى الواو تقديره : فهي كالحجارة وأشد قسوة، كقوله تعالى :﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ [ الإنسان : ٢٤ ] وقوله :﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾ [ المرسلات : ٦ ]، وكما قال جرير بن عطية :

نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربَّه موسى على قَدَرَ
قال ابن جرير : يعني نال الخلافة وكانت له قدراً، وقال آخرون :( أو ) هاهنا بمعنى بل فتقديره : فهي كالحجارة بل أشد قسوة، وكقوله :﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ [ النساء : ٧٧ ] ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ [ الصافات : ١٤٧ ] ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى ﴾ [ النجم : ٩ ] وقال آخرون : معنى ذلك :﴿ فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ عندكم حكاه ابن جرير. وقال بعضهم : معنى ذلك فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين : إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة وإما أن تكون أشد منها في القسوة، قال ابن جرير ومعنى ذلك على هذا التأويل فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة، وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره، ( قلت ) وهذا القول الأخير يبقى شبيهاً بقوله تعالى :


الصفحة التالية
Icon