« إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه وبنذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك » قال : قلت يا نبيّ الله أيها أولى بالشرك المرمي و الرامي؟ قال :« بل الرامي » وقوله تعالى :﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ ﴾، يقول تعالى :﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ أي ما لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها، ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض ﴾ أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى.
قال محمد بن إسحاق بن يسار عن سالم عن أبي النضر : أنه حدث أن موسى عليه السلام لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إليه، فقالوا له هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل، قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فأخرج فادع الله عليهم قال : ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليه وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا : له : ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرفقونه ويتضرعون إليح حتى فتنوه، فافتتن، فركب حمارة له متوجهاً إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل - وهو جبل حسبان - فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها، حتى إذا أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به فضربها، حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه، فقالت : ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم، فلم ينزع عنها، فضربها، فخلى الله سبيلها، حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه : أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال : فهذا ما لا أملك هذا شيء قد غلبت الله عليه، قال واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم واحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعتها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العكسر مرت امرأة من الكنعنانيين برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها، وأتى بها موسى وقال : إني أظنك ستقول : هذا حرام عليك لا تقربها، قال : أجل هي حرام عليك، قال : فوالله لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبتة، فوقع عليها، وأرسل الله عزَّ وجلَّ الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص صاحب أمر موسى غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء الطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر، فأخذ حربته ثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء وجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفاً، والمقلل لهم يقول عشرون ألفاً في ساعة من النهار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله :﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا ﴾ إلى قوله ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.