يقول تعالى : إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم ﴿ وَإِن جَنَحُواْ ﴾ أي مالوا ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ أي المسالمة والمصالحة والمهادنة ﴿ فاجنح لَهَا ﴾ أي فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ تسع سنين، أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الآخر. قال ابن عباس ومجاهد : إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ﴿ قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر ﴾ [ التوبة : ٢٩ ] الآية، وفيه نظر، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم. وقوله :﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ أي صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا ﴿ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله ﴾ أي كافيك وحده، ثم ذكر نعمته عليه بما أيده من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال :﴿ هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى :﴿ واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ [ آل عمران : ١٠٣ ].
وفي « الصحيحين » « أن رسول الله ﷺ لما خطب الأنصار في شأن غنائم حينن قال لهم :» يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي « كلما قال شيئاً قالوا : الله ورسوله أمنّ » ؛ ولهذا قال تعالى :﴿ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي عزيز الجناب فلا يخيب رجاء من توكل عليه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في أفعاله وأحكامه، عن ابن عباس قال : إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ :﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾، وعن مجاهد قال : إذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر، قال عبدة : فقلت له : إن هذا ليسير فقال : لا تقل ذلك، فإن الله يقول :﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ قال عبدة : فعرفت أنه أفقه مني. عن سلمان الفارسي أن رسول الله ﷺ قال :« إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار ».