قومٌ إذا الشرُّ أبدَى ناجِذَيْه لهم طاروا إليه زَرافاتٍ ووِحْدانا
ويُطلق الطيرُ على العمل، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإِسراء: ١٣].
وقوله: ﴿إِلاَّ أُمَمٌ﴾ خبر المبتدأ، وجُمع وإن لم يتقدَّمْهُ إلا شيئان، لأن المراد بها الجنس. و «أمثالكم» صفة لأُمَم، يعني أمثالهم في الأرزاق والآجال والموت والحياة والحشر والاقتصاص لمظلومها من ظالمها. وقيل: في معرفة الله وعبادته.
قوله: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن «مِنْ» زائدة في المفعول به والتقدير: ما فرَّطْنا شيئاً، وتضمَّنه «فرَّطنا» معنى تركنا وأغفلنا، والمعنى: ما أَغْفَلْنا ولا تَرَكْنا شيئاً. ثم اختلفوا في الكتاب: ما المراد به؟ فقيل: اللوح المحفوظ، وعلى هذا فالعموم ظاهر لأن الله تعالى أثبت ما كان وما يكون فيه. وقيل: القرآن، وعلى هذا فهل العمومُ باقٍ؟ منهم من قال: نعم، وأن جميع الأشياء مثبتة في القرآن. إمَّا بالصريح وإمَّا بالإِيماء، ومنهم من قال: إنه يُراد به الخصوص، والمعنى: من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفون. والثاني: أن «مِنْ» تبعيضيةٌ أي: ما تركْنا ولا أَغْفَلْنا في الكتاب بعضَ شيء يَحْتاج إليه المكلَّف. الثالث: أنَّ «من شيء» في محل نصب على المصدر و «من» زائدة فيه أيضاً. ولم يُجِزْ أبو البقاء غيره، فإنه قال: «مِنْ» زائدة، و «شيء» هنا واقع موقع المصدر أي تفريطاً.
وعلى هذا التأويل لا يَبْقى في الآية حجةٌ لمن ظنَّ أن الكتابَ يَحْتوي على ذِكْر كل شيء صريحاً. ونظير ذلك: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران: ١٢٠]، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لأنَّ «فرَّطْنا» لا يتعدى بنفسه بل


الصفحة التالية
Icon