الفصل الثالث
الدلالة السياقية عند البقاعي
السياق
توطئة
للسياق أهمية كبيرة في توجيه كثير من الألفاظ، ومكان متميز في توجيه البحث الدلالي عند علماء اللغويات في العصر الحديث لأنّ: ((اللغويين يصفون المعنى المعجمي للكلمة بأنّه متعددة ويحتمل أكثر من معنى واحد، في حين يصفون المعنى السياقي لها بأنّه واحد لا يحتمل غير معنى واحد)) (١) لأن المعاني المعجمية ليست هي كلّ شيء يمكننا من خلاله إدراك معنى الكلام أو النص، لأن ثمة عناصر لغوية وغير لغوية تساهم بشكل كبير في تحديد المعنى، وهذه العناصر جزء من الكلام الذي لا يمكن الوصول إلى معناه من دونها (٢). إذ ((يمثّل كلّ عقدة فيه وحدة معجمية مختلفة)) (٣).
فإن تحديد معنى الكلام بشكل دقيق يتطلب الاستعانة بوسائل آخر غير المعجم، منها معرفة نسق الكلام ونظمه، لكي يتبين المعنى المطلوب، لأنّ علاقة السياق بالدلالة علاقة وثيقة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر ((لأنّ اختلاف الدلالات وإبرازها في قوالب الألفاظ الفائقة والمعاني الرائعة في النظوم المعجزة على وجوه لا تكاد تدخل تحت الحصر)) (٤) هذا ما يقوم به السياق، لبيان كثير من الكلمات، لأن الكلمة تعطي معاني مختلفة إذا كانت مفردة، أمّا إذا وضعت في نظوم الكلام فإنّها تميّز المعنى المقصود من النص؛ لأنّ: ((النص والسياق يكمل أحدهما الآخر)) (٥) ومن هنا تتضح لنا أهمية السياق في اللغة وهذا ما أكده ((بالمر)) بقوله: ((إنّ اللغات الحية يجب ألا تعامل مثل اللغات الميتة المقطوعة عن سياق حالها)) (٦).

(١). منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث: ١٨٥.
(٢). ينظر: علم اللغة ((السعران)): ٢٨٨.
(٣). اللغة والمعنى والسياق: ٨٣.
(٤). نظم الدرر: ٧/٤٢٤.
(٥). السياق ودلالته في توجيه المعنى: ٧.
(٦). علم الدلالة ((بالمر)): ٦١.


الصفحة التالية
Icon