ومنه ما جاء في قوله تعالى: ﴿... وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١). إذ فسر البقاعي صيغة الأمر بالغرض البلاغي الدالّ على التهديد إذ يقول: ((ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثّاً على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة)) (٢) فالنص القرآني لما فيه من جلال النظم، وجزالة القول، وحلاوة السبك، وقوة التركيب ورصانته، بين الغرض في صيغة (افعل)) وخروجها إلى غرض التهديد، والحذر من قدرة الله سبحانه وتعالى، ويقول أبو حيان: ولما هددهم بأنّه مطلع على ما في أنفسهم وحذّرهم منه أردف ذلك بالصفتين الجليلتين، ليزيل عنهم بعض روع التهديد والوعيد والتحذير من عقابه، ليعتدل قلب المؤمن في الرجاء والخوف (٣).
وهذا يدلّ على أن البقاعي قد تابع أبا حيان في خروج هذه الصيغة في هذا النص إلى غرض التهديد. (٤)
٧- الأمر للدعاء
الدعاء هو: ((طلب الفعل من المدعو وصيغته صيغة الامر، إلاّ أنّ الدعاء لمن فوقك والأمر لمن دونك)) (٥) وقد فرق النحاة والبلاغيون بين الأمر والدعاء بحسبان أن مناط الأول هو الاستعلاء، ومناط الثاني هو التضرع والخضوع. (٦)

(١). البقرة: ٢٣٥.
(٢). نظم الدرر: ٣/٣٤٩.
(٣). ينظر: البحر المحيط: ٢/٢٣٠، ونظم الدرر: ٣/٣٤٩-٣٥٠.
(٤). للمزيد ينظر نظم الدرر: ٣/١٣٥-١٨٢، ٤/٢٩٧، ٨/٤٩٨، ١٢/٥٢، ١٣/٣٤، ١٥/٢٧٠، ١٦/٤٦٥، ١٧/٢٠٠، ١٩/٢٥.
(٥). المقتضب: ٢/١٣٢، والتبيان في تفسير القرآن: ٦/١٣٤، وينظر: البحث الدلالي في التبيان: ٢٢٧.
(٦). ينظر: الكتاب: ١/١٤٢، والإيضاح: ١/١٤٣.


الصفحة التالية
Icon