واعلم أَنَّ خَبَرَ "كاد" وأخواتِها - عيرَ عسى- لا يكون فاعلُه إلا ضميراً عائداً على اسمها، لأنها للمقارَبَةِ أو للشروع بخلافِ عسى، فإنها للترجِّي، تقول: "عسى زيدٌ أن يقومَ أبوه"، ولا يجوز ذلك في غيرها، فأمَّا قولُه:
٢٤٥- وَقَفْتُ على رَبْعٍ لميَّةَ ناقتي * فما زِلْتُ أبكي عندَهُ وأُخَاطِبُهْ
وَأَسْقِيهِ حتى كَادَ مِمَّا أَبُثُّه * تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُه ومَلاعِبُهْ
فأتى بالفاعلِ ظاهراً فقد حَمَلَه بعضُهم على الشذوذِ، وينبغي أن يُقال: إنما جاز ذلك لأن الأحجارَ والملاعب هي عبارةٌ عن الرَّبْع، فهي هو، فكأنه قيل: حتى كاد يكلِّمني، ولكنه عَبَّر عنه بمجموع أجزائه، وقولُ الأخر:
٢٤٦- وقد جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُني * ثَوْبي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشاربِ السَّكِرِ
وكنتُ أمشي على رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً * فَصِرْتُ أمشي على أخرى من الشجر
فأتى بفاعل [خبر] جَعل ظاهراً، فقد أجيب عنه بوجهين: أحدُهما: أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديره: وقد جَعَل ثوبي إذا ما قمت يُقْقلني. والثاني: أنه من باب إقامةِ السببِ مُقامَ المُسَبِّبِ، فإنَّ نهوضَه كذا متسبِّبٌ عن إثقالِ ثوبِه إياه، والمعنى: وقد جَعَلْتُ أَنْهَضُ نَهْضَ الشارب الثملِ لإثقالِ ثوبي إياي.
ووزن كاد كَودِ بكسر العين، وهي من ذواتِ الواو، كخاف يَخاف، وفيها لغةٌ أخرى: فتحُ عينها، فعلى هذه اللغةِ تُضَمُّ فاؤُها إذا أُسْنِدَتْ إلى تاءِ المتكلم وأخواتِهَا، فتقولُ: كُدْت وكُدْنَا مثل: قُلْت وقُلْنا، وقد تُنْقَلُ كسرةُ عينها إلى فائَها مع الإسناد إلى ظاهر، كقوله:
٢٤٧- وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكُلْنَ جُثَّتي * وكِيدِ خِراشٌ عند ذلك يَيْتَمُ
ولا يجوز زيادتُها خلافاً للأخفشِ، وسيأتي هذا كلُه في "كاد" الناقصة، أمَّا "كاد" التامة بمعنى مَكَر فإنها فَعَل بفتح العين من ذواتِ الياء، بدليل قوله: "إنهم يكيدون كَيْدَاً، وأكيد".
(١/١٣٠)
---


الصفحة التالية
Icon