قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾: "الذي" تحتملُ النصبَ والرفعَ. فالنصبُ من خمسةِ أوجهٍ، أظهرُها: أن يكونَ نصبُه على القطع. الثاني: أنه نعتٌ لربكم. الثالث: أنه بدلٌ منه: الرابع: أنه مفعول "تتقون" وبه بدأ أبو البقاء. الخامس: أنه نعتُ النعت أي: الموصولُ الأول، لكن المختارَ أن النعتَ لا يُنْعَتُ / بل إنْ جاء ما يُوهم ذلك جُعِلَ نعتاً للأول، أَنْ يمنَع مانعٌ فيكونَ نعتاً للنعت نحو قولهم: "يا أيُّها الفارسُ ذو الجُمَّة"، فذو الجُمَّة نعتٌ للفارس لا لـ "أيّ" لأنها لا تَنْعَتُ إلاَّ بما تقدَّم ذِكْرُه. والرفعُ من وجهين: أحدهما - وهو الأصح - أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو الذي جَعَلَ. والثاني أنه مبتدأٌ وخبرُه قولُه بعد ذلك: "فَلاَ تَجْعَلُواْ"، وهذا فيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنَّ صلتَه ماضِيةٌ فلم يُشْبِهِ الشرطَ فلا تُزَادُ في خبرِهِ الفاءُ، الثاني: عدمُ الرابط إلا أن يقالَ بمذهبِ الأخفش وهو أَنْ يُجْعَلَ الربطُ مكرَّرَ الاسم الظاهر إذا كان بمعناه نحو: "زيدٌ قام أبو عبد الله"، إذا كان أبو عبد الله كنيةً لزيد، وكذلك هنا أقامَ الجلالة مُقامَ الضميرِ كأنه قال: الذي جعل لكم فلا تَجْعَلوا له أنداداً.
و "جَعَل" فيها وجهان، أحدُهما: أن تكونَ بمعنى صَيَّر فتتعدَّى لمفعولين فيكونُ "الأرضُ" مفعولاً لأولَ، و "فراشاً" مفعولاً ثانياً. الثاني: أن تكونَ بمعنى "خَلَقَ" فتتعدَّى لواحد وهو "الأرضَ" ويكونُ "فراشاً" حالاً.
"وَالسَّمَاءَ بِنَآءً" عطف على "الأرض فراشاً" على التقديرين المتقددَّمين، و "لكم" متعلِّق بالجَعْل أي لأجلكم.
(١/١٤٢)
---