قولُه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ قد تقدَّم أن الفاءَ بمعنى إلى، وهو قولٌ مرجوجٌ جداً. و "ما" في ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ إن نَصَبْنا "بعوضةً" كانت معطوفةً عليها موصولةً بمعنى الذي، وصلتُها الظرفُ، أو موصوفةً أو استفهاميةً فالثانيةُ معطوفةٌ عليها، لكنْ في جَعْلِنا "ما" وصولةً يكونُ ذلك من عَطْفِ المفرداتِ، وفي جَعْلِنَا إياها استفهاميةً يكونُ من عَطْفِ الجملِ، وإنْ جَعَلْنَا "ما" زائدةً أو صفةً لنكرة و "بعوضةٌ" خبراً لـ "هو" مضمراً كانت "ما" معطوفةً على "بعوضة".
والبَعُوضةُ واحدةُ البَعُوض وهو معروفٍ، وهو في الأصل وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذ من البَعْضِ وهو القَطْع، وكذلك البَضْعُ والعَضْب، قال:
٣٠٧- لَنِعْمَ البيتُ بيتُ أبي دِثار * إذا ما خافَ بعضُ القومِ بَعْضا
ومعنى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي: في الكِبَر وهو الظاهرُ، وقيل: في الصِّغَرِ.
قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ "أمَّا": حرفٌ ضُمِّن معنى اسمِ شرطٍ وفِعْله، كذا قدَّره سيبويه، قال: "أمَّا" بمنزلةِ مهما يَكُ مِنْ شيءٍ". وقال الزمخشري: "وفائدتُه في الكلامِ أن يُعْطيه فَضْلَ توكيدٍ، تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قَصَدْتَ توكيدَ ذلك وأنه لا محالةَ ذاهبٌ قلت: امَّا زيدٌ فذاهبٌ" وذَكَر كلاماً حسناً بليغاً كعادتِه في ذلك. وقال بعضُهم: "أمَّا" حرفُ تفصيلٍ لشما أَجْمَلَه المتكلِّمُ وادَّعاه المخاطبُ، ولا يليها إلا المبتدأ، وتَلْزَمُ الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ أو مقدِّرٍ كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ﴾ أي: فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُمْ، وقد تُحْذَفُ حيث لا قولٌ، كقوله:
٣٠٨- فأمَّا القِتالُ لا قتالَ لديكُمُ * ولكنَّ سَيْراً في عِراضِ المواكبِ
(١/١٧٠)
---