وقُرئَ: "يُضِلُّ به كثيرٌ ويُهْدى به كثيرٌ، وما يُضِلُّ به إلا الفاسقُون" بالبناء للمفعول، وقُرئَ أيضاً: "يَضِلُّ به كثيرٌ ويَهْدي به كثيرٌ، وما يُضِلُّ بِه إلا الفاسقون" بالبناء للفاعل، قال بعضهم: "وهي قراءة القَدَرِيَّة" قلت: نقل ابنُ عطية عن أبي عمرو الداني أنها قراءةُ المعتزلة، ثم قال: "وابنُ أبي عَبْلة مِنْ ثَقات الشاميّين" يعني قارئها، وفي الجملة فهي مخالفةٌ لسواد المصحف. فإن قيل: كيف وَصَف المهتدين هنما بالكثرةِ وهم قليلون، لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فالجوابُ أنهم وإن كانوا قليلين في الصورة فهم كثيرونفي الحقيقةِ كقولِهِ:
٣١٣- إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلادِ وإنْ * قَلُّوا كما غيرهُم قَلَّ وإنْ كَثُروا
فصار ذلك باعتبارَيْن.
قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾. الفاسقين: مفعولٌ لـ "يُضِلُّ" وهو استثناءٌ مفرغٌ، وقد تقدَّم معناه، ويجوزُ عند الفراء أن يكونَ منصوباً على الاستثناء، والمستثنى منه محذوفٌ تقديرُه: وما يُضِلُّ به أحداً إلا الفاسقين كقوله:
٣١٤- نَجا سالمٌ والنَّفْسُ منه بشِدْقِه * ولِمَ يَنْجُ إلا جَفْنَ سيفٍ ومِئْزَرا
أي: لم ينجُ بشيء، ومنعَ ابو البقاء نصبَه على الاستثناءِ، كأنه اعتبرَ مذهبَ جمهورِ االبصريين.
والقِسْقُ لغةً: الخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرِها، أي: خَرَجَتْ، والفَاسِقُ خارجٌ عن طاعةِ الله تعالى، يقال: فَسَق يفسُقُ ويفسِقُ بالضم والكسر في المضارع فِسْقاً وفُسوقاً فهو فاسقٌ. وزعم ابن الأنباري أنه لم يُسْمع في كلامِ الجاهلية ولا في شعرها فاسِقٌ، وهذا عجيب، قال رؤبة:
٣١٥- يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْراً غائراً * فواسِقاً عن قَصْدِها جَوائِزاً
(١/١٧٥)
---