واعلم أنَّ "إذ" فيه تسعةُ أوجه، أحسنُها أنه منصوبٌ بـ ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أي: قالوا ذلك القولَ وقتَ قولِ اللهِ تعالى لهم: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً، وهذا أسهلُ الأوجهِ. الثاني: أنه منصوبٌ بـ "اذكُرْ" مقدراً وقد تقدَّم أنه لاَ يَتَصَرَّفُ فلا يقع مفعولاً. الثالث: أنه منصوبٌ ب، "خَلَقَكم" المتقدمِ في قولِه: ﴿اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ والواو زائدةٌ. وهذا ليس بشيء لطولِ الفصلِ. الرابعُ: أنه منصوبٌ بـ "قال" بعده. وهو فاسدٌ لأن المضافَ إليه لا يعمل في المضاف. الخامس: أنه زائدٌ ويعزى لأبي عبيد. السادس: أنه بمعنى قد. السابع أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ابتداءُ خَلْقِكم وقتُ قولِ ربِّك. الثامن: أنه منصوبٌ بفعلٍ لائق، تقديرُه: ابتدأ خلقُكم وقتَ قولِه ذلكَ، وهذان ضعيفان لأن وقتَ ابتداءِ الخلق ليس وقتَ القول، وأيضاً فإنه لاَ يَتَصرَّف. التاسع: أنه منصوبٌ بـ "أحياكم" مقدَّراً، وهذا مردودٌ باختلافِ الوقتين أيضاً.
و "للملائكة" متعلِّقٌ بـ "قال" واللامُ للتبليغ. وملائكةٌ جمع مَلَك. واختُلِف في "مَلَك" على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمِه، هل هي أصليةٌ أو زائدةٌ؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا، فقال بعضهم: مَلَك ووزنه فَعَل من المُلْك، وشذَّ جمعُه على فعائِلة فالشذوذ في جَمْعَه فقط. وقال بعضهم: بل أصلُهُ مَلأّك، والهمزةُ فيه زائدةٌ كشَمْأَل ثم نُقِلَت حركةُ الهمزة إلى اللام وحُذِفَت الهمزةُ تخفيفاً، والجمعُ جاء على أصلِ الزيادةِ فهذان قَوْلان عند هؤلاء. والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من "أَلَك" أي: أرسل ففاؤُه همزةٌ وعينه لام، ويدلُّ عليه قوله:
٣٢٨- أَبْلِغْ أبا دَخْتَنُوسَ مَأْلُكَةً * غيرَ الذي قد يُقال مِلْكَذِبِ
وقال آخر:
٣٢٩- وغلامٌ أَرْسَلَتْه أمُّه * بِأَلوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ
وقال آخر:
(١/١٨٦)
---


الصفحة التالية
Icon