والحمدُ هنا: مصدرٌ مضاف لمفعولِه، وفاعلُه محذوف تقديره: بحمدِنا إياك. وزعم بعضهُم أن الفاعلَ مضمرٌ فيه وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ المصدرَ اسم جامدٌ لا يُضمرُ فيه، على أنه قد حُكِيَ خلافٌ في المصدرِ الواقعِ موقعَ الفعل نحو: ضرباً زيداً، هل يَتَحَّملُ ضميراً أم لا؟ وقد تقدَّم.
و "نُقَدِّسُ" عطف على "نُسَبِّح" فهو خبر أيضاً عن "نحن" ومفعولُه محذوفٌ أي: نقدِّسُ أنفسَنا وأفعالنا لك، و "لكم" كتعلِّقٌ بِه أو بـ "نُسَبِّح"، ومعناها العلةُ، وقيل: هي زائدةٌ، فإنَّ ما قبلَها متعدٍّ بنفسِه، وهو ضَعيفٌ إذ لا تُزادُ إلاَّ مع تقديمِ المعمولِ أو يكونَ العاملُ فَرْعاً، وقيل: هي مُعَدِّيَةٌ نحو: سجدت لله، وقيل: هي للبيان، كهي في قولك: سُقْياً لك. فعلى هذا يتعلَّق بمحذوفٍ ويكونُ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: تقديسُنا لك. وهذا التقدير أحسنُ من تقديرِ قولهم: "أعني" لأنه أليقُ بالموضِع. وأبعدَ مَنْ زَعَم أنَّ جملةَ قولِه "ونحنُ نسبِّح" داخلةٌ في حَيِّزِ استفهامٍ مقدرٍ تقديرُه: وأنحن نسبِّح أم نتغيَّر. واستحسنه ابن عطية مع القولِ بالاستفهام المحضِ في قولهم: "أتجعلُ"، وهذا يَأْباه الجمهورُ، أعني حَذْفَ همزةِ الاستفهام مِنْ غيرِ ذِكْر "أم" المعادِلةِ وهو رأيُ الأخفش، وجَعَل مِن ذلك قَولَه تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ أي: وأتلك نعمةٌ، وقول الآخر:
٣٣٩- طَرِبْتُ وما شوقاً إلى البيضَ أَطْرَبُ * ولا لَعِباً مني وذو الشَّيْبِ يَلْعَب
أي: وأذو الشيب، وقول الآخر:
٣٤٠- أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكِرامَ وأَنْ * أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصاً نَبْلاً
أي: أأفرحُ، فأمَّا مع "أمْ" فإنه جائزٌ لدَلالتِها عليه كقوله:
٣٤١- فواللهِ ما أدري وإنْ كنتُ دارياً * بسبْعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بِثَمانِ
أي: أبسبعٍ.
(١/١٩١)
---