قوله: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ كقوله تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ و "إلاَّ" حرفُ استثناء، و "ما" موصولةٌ، و "علَّمتنا" صلتُها، وعائدُها محذوفٌ، على أن يكونَ "عِلْم" بمعنى مَعْلُوم، ويجوزُ أنْ تكونَ مصدريةً وهي في محلِّ نصب على الاستثناءِ، [ولا يجوز أن تكونَ منصوبةً بالعِلْم الذي هو اسمُ لا لأنه إذا عَمِل كان مُعْرباً]، وقيل: في محلِّ رفعٍ على البدلِ من اسم "لا" على الموضع. وقال ابن عطية: "هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: "لا إلهَ إلا اللهُ" وفيهِ نظرٌ، لأن الاستثناءَ إنما هو من المحكومِ عليه بقيدِ الحكم لا مِن المحكومِ به. وهذا غيرُ معقولٍ لأنه كيف ينتصبُ الموصولُ بصلتِه وتَعْمَلُ فيه؟قال الشيخُ: "إلا أَنْ يُتَكَلَِّف لَه وجهٌ بعيدٌ، وهو أن يكونَ استثناءً منقطعاً بمعنى لكنْ، وتكونُ "ما" شرطيةً، و "علَّمتنَا" ناصبٌ لها وهو في محلِّ جَزْمٍ بها والجوابُ محذوفٌ، والتقديرُ: لكنْ ما علَّمْتنا عَلِمناه.
قولُه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أنتَ يَحتمِلُ ثلاثةَ أوجهٍ، أن يكونَ تأكيداً لاسم إنَّ فيكونَ منصوبَ المحلِّ، وأن يكونَ مبتدأ خبرُه ما بعده والجملةُ خبرُ إنَّ، وأن يكونَ فَصلاً، وفيه الخلافُ المشهورُِ، وهل له محلُّ إعرابٍ أم لا؟ وإذا قيل: إنَّ له محلاًّ، فهل بإعرابِ ما قبلَه كقولِ الفراء فيكونُ في محلِّ نصبٍ، أو بإعراب ما بعده، فيكونُ في محلِّ رَفعٍ كقول الكسائي؟ و "الحكيمُ" خبَرٌ ثانٍ أو صفةٌ للعليم، وهما فَعِيل بمعنى فاعِل، وفيهما من المبالغةِ ما ليس فيه.
والحُكْم لغةً: الإتقانُ والمَنْع من الخروجِ عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابَّة وقال جرير:
٣٥٠- ابني حُنَيْفَةَ أحْكِموا سفهاءَكُم * إني أخافُ عليكُمُ أَنْ أغْضَبَا
(١/١٩٨)
---


الصفحة التالية
Icon