قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: هذه الجملةُ كعطوفةٌ على جملةِ: "إذْ قلنا" لا على "قُلْنا" وحدَه لاختلافِ زمنَيْهِما، و "أنت" توكيدٌ للضميرِ المستكنِّ في "اسكُن" ايصِحَّ العطفُ عليه، و "زوجُك" عَطْفٌ عليه، هذا مذهبِ البصريين، أعني: اشتراط الفصلِ بين المتعاطِفَيْن إذا كان المعطوفُ عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يُشْترط أن يكونَ الفاصلُ توكيداً، [بل] أيَّ فصلٍ كان، نحو: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ وأمَّا الكوفيون فيُجيزون ذلك من غير فاصل وأنشدوا:
٣٦٥- قُلْتُ إذا أقبلَتْ وزهرٌ تَهادى * كنعاجِ الفَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا
وهذا عند البصريينَ ضرورةً لا يُقاسُ عليه. وقد مَنَعَ بعضَهُم أن يكونَ "زوجُك" عطفاً على الضميرِ المستكنِّ في "اسكُنْ" وجعله من عطفِ الجملِ، بمعنى أن يكونَ "زوجُك" مرفوعاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: وَلَتَسْكُنْ زوجك، فحُذِف لدلالة "اسكنْ" عليه، ونَظَّره بقولِه تعالى: ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ وزعم أنه مذهبُ سيبويهِ، بنصِّه يخالِفُه، ولأنَّه لا خلافَ في صِحَّةِ: "تقوم هندٌ وزيدٌ"، ولا يَصِحُّ مباشرةُ زيدٍ لـ "تقوم" لتأنيثه.
والسكونُ والسُّكْنى: الاستقرارُ. ومنه: المِسْكينُ لعدَمِ استقراره وحركتِه وتصرُّفِه، والسِّكِّينُ لأنها تَقْطَعُ حركةَ المذبوحِ، والسِّكِينة لأنَّ بها يَذْهَبُ القلقُ.
و "الجنَّةَ" مفعولٌ به لا ظرفٌ، نحو: سَكَنْتُ الدارَ. وقيل: هي ظرفٌ على الاتساعِ، وكان الأصلُ تعديتَه إليها بـ "في"، لكونها ظرفَ مكان مختصٍّ، وما بعد القولِ منصوبٌ به.
(١/٢٠٧)
---


الصفحة التالية
Icon