والثاني: أنه منصوبٌ على جوابِ النهي كقولِهِ تعالى: ﴿لاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ والنصبُ بإضمارِ "أَنْ" عند البصريينَ، وبالفاءِ نفسِها عند الجَرْمي، وبالخلافِ عند الكوفيين، وهكذا كلُّ ما يأتي مثلَ هذا.
و ﴿مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ خبرُ كان. والظُلْمُ: وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه ومنه قيل للأرضِ التي لم تستحقَّ الحفرَ فتُحْفَر: مظلومةٌ، وقال النابغة الذبياني:
٣٧٥- إِلاَّ أَوارِيَّ لأَيَاً ما أُبَيِّنُهَا * والنُّؤْيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ
وقيل: سُمِّيَتنْ مَظلومةً لأنَّ المطرَ لا يأتيها، قال عمرو بن قَمِيئَةَ:
٣٧٦- ظَلَمَ البطاحَ له انهِلاَلُ حَرِيصةٍ * فصفَا النِّطافُ له بُعَيْدَ المُقْلَعِ
وقالوا: "مَنْ أشبه أباهُ فما ظَلَمْ"، قال:
٣٧٧- بأبِهِ اقتدى عَدِيٌّ في الكَرَمْ * ومَنْ يشابِهْ أَبَه فما ظَلَمْ
* ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾
قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾: المفعولُ هنا واجبُ التقديمِ لأنه ضميرٌ متصلٌ، والفاعلُ ظاهرٌ، وكلُّ ما كان كذا فهذا حكمُه. قرأ حمزة: "فَأَزَالهما" والقِراءتان يُحتمل أن تكونا بمعنىً واحدٍ، وذلك أنَّ قراءةَ الجماعةِ "أَزَلَّهما" يجوز أَنْ تكونَ مِنْ "زَلَّ عن المكان" إذا تَنَحَّى عنه فتكونَ من الزوالِ كقراءَةِ حمزة، ويَدُلُّ عليه قولُ امرئ القيس:
٣٧٨- كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ * كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمُتَنَزَّلِ
وقال أيضاً:
٣٧٩- يَزِلُّ الغلامُ الخِفُّ عن صَهَوَاتِهِ * ويَلْوِي بأثوابِ العنيفِ المُثَقَّلِ
(١/٢١٢)
---