قوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ الظاهرُ أنه متعلقٌ بمتاع، وأنَّ المسألة من بابِ الإعمال لأنَّ كلَّ واحدٍ من قولِهِ: ﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ يَطْلُبُ قولَه" ﴿إِلَى حِينٍ﴾ من جهةِ المعنى. وجاء الإعمالُ هنا على مختارِ البصريين وهو إعمالُ الثاني وإهمالُ الأولِ فلذلك حُذِفَ منه، والتقديرُ: ولكم في الأرض مستقرٌّ إليه ومتاعٌ إلى حين، ولو جاءَ على إعمالِ الأولِ لأضمَرَ في الثاني، فإن قيل: مِنْ شرطِ الإعمالِ أن يَصِحَّ تَسَلُّطُ كلٍّ من العامِلَيْنِ على المعمولِ، و "مستقرٌ" لا يَصِحُّ تَسَلُّطُه عليه لِئلاَّ يلزَمَ منه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِهِ والمصدر بتقديرِ الموصول. فالجوابُ: أنَّ المحذورَ في المصدرِ الذي يُرادُ به الحَدَثُ وهذا لَمْ يُرَدْ به حَدَثٌ، فلا يُؤَول بموصولٍ، وأيضاً فإنَّ الظرفَ وشبهَه تَعْمَلُ فيه روائِحُ الفعل حتى الأعلامُ كقوله:
٣٨٠- أنا ابنُ مَأوِيَّةَ إذ جَدَّ النُّقُرْ
و "مستقر" يجوز أن يكونَ اسمَ مكانٍ وأن يكونَ اسم مصدرٍ، مُسْتَفْعَل من القَرار وهو اللُّبْثُ، ولذلك سُمِّيَتِ الأرضُ قَرارَةٌ، قال الشاعر:
٣٨١-.......................... * فَتَرَكْنَ كلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
ويقال: استقرَّ وقرَّ بمعنًى. والمَتاعُ: البُلْغَةُ مأخوذةٌ من مَتَع النهار أي: ارتفع. واختارر أبو البقاء أن يكونَ "إلى حين" في محلِّ رفعٍ صفةً لمَتاع.
والحينُ: القطعةُ من الزمان طويلةً كانت أو قصيرةً، وهذا هو المشهورُ، وقيل: الوقتُ البعيدُ. ويُقال: عامَلَتْهُ محايَنَةً، وَأَحْيَنْتُ بالمكانِ أقمت به حِيناً، وحانَ حينُ كذا: قَرُبَ، قالت بثينة:
٣٨٢- وإنَّ سُلُوِّي عن جميلٍ لَساعةٌ * من الدهرِ ما حانَتْ ولا حانَ حِينُها
وقال بعضُهم: "إنه يُزادُ التاءُ فيقال: تحينَ قُمْتَ" وأنشد:
٣٨٣- العاطفونَ تحينَ ما مِنْ عاطِفٍ * والمُطْعِمُون زمانَ أين المُطْعِمُ
وليس كذلكَ، وسيأتي تحقيقُ هذا إن شاء الله تعالى.