قوله تعالى: ﴿ذالِكُمُ﴾: أي: ذلكم الموصوفُ بتلك الصفاتِ المتقدمةِ اللهُ، فاسم الإِشارة مبتدأ و "الله" خبره، وكذا "ربكم" وكذا الجملةُ من قوله ﴿لاا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ﴾، وكذا "خالق". قال الزمخشري: "وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة". قلت: هذا عند مَنْ يجيز تَعَدُّد الخبرِ مطلقاً، ويجوز أن يكون "الله" وحده هو الخبر ما بعده أبدال، كذا قال أبو البقاس، وفيه نظر من حيث إنَّ بعضها مشتقٌّ والبدلُ يَقِلُّ بالمشتقات، وقد يقال إن هذه، وإن كانت مشتقة، ولكنها بالنسبة غلى الله تعالى من حيث اختصاصُها به صارت كالجوامد، ويجوز أن يكون "الله" هو البدل، وما بعده أخبارٌ أيضاً، ومَنْ منع تعدُّدَ الخبرِ قَدَّر قبلَ كل خبرٍ مبتدأ، أو يجعلها كلَّها بمنزلة اسم واحد كأنه قيل: ذلكم الموصوفُ هو الجامعُ بين هذه الصفات.
* ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ﴾: إنما ذَكَّر الفعلَ لشيئين: أحدهما الفصلُ بالمفعول، والثاني كون التأنيث مجازياً. والبصائر جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء، ومنه قيل للدم الدالِّ على القتيل بصرة. والبصيرة مختصة بالقلب كالبصر للعين، هذا قول بعضهم. وقال الراغب: "ويقال لقوة القلب المُدْرِكة بَصيرة وبَصَر، قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ وقد تقدَّم تحقيق هذا في أوائل البقرة.
و﴿مِن رَّبِّكُمْ﴾ يجوز أن يتعلَّق بالفعل قبله، وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه صفة لما قبله، أي: بصائر كائنة من ربكم، و"مِنْ" في الوجهين لابتداء الغاية مجازاً.
(٦/٣٦٦)
---