قال الزمخشري: "وأصلُهُ مِنْ سَام السِّلْعَةَ إذا طَلَبها، كأنه بمعنى يَبْغُونكم سوءَ العذاب ويُريدُونَكم عليه"، وقيل: أصلُ السَّوْمِ الدَّامُ، ومنه: سائِمَةُ الغَنَم لمُداوَمَتِهِا الرَّعْيَ. والمعنى: يُديكونَ تعذيبكم، وسوءُ العذاب أشدُّهُ وأفظعهُ وإنْ كان كَلُّه سيئاً، كأنه أقبحُهُ بالإضافة إلى سائرِه. والسوءُ: كلُّ ما يَعُمُّ الإنسانَ من أمرٍ دنيوي وأُخْرَوي، وهو في الأصل مصدرٌ، ويؤنَّثُ بالألفِ، قال تعالى: ﴿أَسَاءُواْ السُّواءَى﴾ وأجاز بعضُهم أن يكونَ "سوء" نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديرُه: يَسُومونكم سَوْماً سيئاً كذا قدَّره، وقال أيضاً: "ويجوزُ أن يكونَ بمعنى سَوْم العذاب"، كأنه يريد بذلك أنه منصوبٌ على نَوْعِ المصدرِ، نحو: قَعَدَ جلوساً"، لأن سُوء العذابِ نوعٌ من السَِّوْمِ.
قولُه تعالى: "يُذَبِّحُون" هذه الجملةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ مفسِّرةً للجملة قبلَها، وتفسيرُها لها على وجهين: أحدُهما أن تكونَ مستأنفةً، فلا محلَّ لها حينئذٍ من الإعرابِ، كأنه قيل: كيف سَوْمُهم العذابَ؟ فقيل: يُذَبِّحُون. والثاني: أنْ تكونَ بدلاً منها كقولِه:
٤٤٩- متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في ديارنا *.....................
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ ولذلك تُرِكَ العاطفُ، ويُحْتمل أن تكونَ حالاً ثانيةً، لا على أنها بدلٌ من الأولى، وذلك على رأْي مَنْ يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحال. وقد مَنَع أبو البقاء هذا الوجهَ محتجَّاً بأنَّ الحَالَ تُشْبِهُ المفعولَ به ولا يَعملُ العاملُ في مفعولَيْن على هذا الوصفِ، وهذا بناءً منه على أحد القولين، ويحتملُ أن يكونَ حالاً من فاعل "يَسُومونكم". وقُرئ: "يَذْبَحُون" بالتخفيف، والأَوْلَى قراءةُ الجماعةِ لأنَّ الذبحَ متكرِّر.
(١/٢٥٨)
---