قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ اتَّخذ يتعدَّى لإثنينِ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ أي: ثم اتخذتم العجلَ إلهاً. وقد يتعدَّى لمفعولٍ واحد إذا كان معناه عَمِل وجَعَل نحو: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ وقال بعضُهم: تَخِذَ واتَّخَذَ يتعدَّيانِ لاثنين ما لَمْ يُفْهَمَا كَسْباً، فيتعدَّيان لواحدٍ. واختُلِفَ في اتَّخَذَ فقيل: هو افْتَعَلَ من الأخْذِ والأصلُ: أأتخذ الأوُلى همزةُ وصلٍ والثانيةُ فاءُ الكلمةِ فاجتمعَ همزتان ثانيتُهما ساكنةٌ بعد أخؤى، فَوَجَبَ قلبُها ياءً كإيمان، فَوَقَعَتْ الياءُ قبلَ تاءِ الافتعالِ فأبْدِلَتْ تاءً وأُدْغِمَتْ في تاءِ الافتعال كاتَّسر مِن مِن اليُسْر، إلاَّ أنَّ هذا قليلٌ في باب الهمز نحو: اتَّكل من الأكْل واتَّزَرَ من الإزارِ. وقال أبو علي: هو افْتَعَلَ من تَخِذَ يَتْخِذُ، وأنشد:
٤٦٠- وقد تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جَنْبِ غَرْزِهَا * نَسيفاً كأُفْحوصِ القَطاةِ المُطَرِّقِ
وقال تعالى:﴿لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ وهذا أسهلُ القَوْلَيْن.
والقُرَّاءُ على إدغامِ الذالِ في التاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجِهما، وابن كثير وعاسم في رواية حَفْصٍ بالإظهار، وهذا الخلافُ جارٍ في المفردِ نحو: اتَّخَذْتُ، والجمع نحو: اتَّخَذْتُم، وأَتى في هذه الجملة بـ "ثُمَّ" دلالةً على أنَّ الاتخاذَ كان بعدَ المواعدة بمُهْلَةٍ.
قوله: "مِنْ بعدِه" متعلِّقٌ باتَّخَذْتُمْ، و "مِنْ" لابتداءِ الغايةِ، والضميرُ يعودُ على موسى، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ، أي: مِنْ بعدِ انطلاقِه أو مُضِيِّهِ، وقال ابنُ عطية: "يعودُ على موسى [وقيل: على انطلاقِه للتكليمِ، وقيل: على الوَعْدِ وفي كلامِهِ بعضُ مناقشةٍ، فإنَّ قولَه: "وقيل يعودُ على انطلاقِه" يَقْتَضِي عَوْدَه على موسى] من غيرِ تقدير مضافٍ وذلك غيرُ مُتَصَوَّرٍ.
قوله: "وأنتم ظالمون" جملةٌ حاليةٌ من فاعل "اتَّخَذْتُمْ".
(١/٢٦٥)
---


الصفحة التالية
Icon