قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "أنَّى" ظرفُ مكانٍ، ويُسْتَعْمَلُ شرطاً واستفهاماً بمعنى "متى"، فيكونُ ظرفَ زمانٍ ويكونُ بمعنى كيف، وبمعنى مِنْ أي، وقد فُسِّرت الآية الكريمةُ بكلٍّ من هذه الوجوهِ. وقال النحويون: "أنَّى" لتعميم الأحوال. وقال بعضُهم: إنما تجيءُ سؤالاً وإخباراً عن أمرٍ له جهاتُ، فهي على هذا أعمُّ مِنْ "كيف" ومِنْ "أين" ومِنْ "متى". وقالوا: إذا كانت شرطيةً فهي ظرفُ مكانٍ فقط. واعلم انها مبنيةٌ لتضمُّنها: إمَّا معنى حرفِ الشرطِ أو الاستفهامِ،
وهي لازمةُ النصب على الظرفيةِ. والعاملُ فيها هنا قالوا: الفعلُ قبلها وهو: "فأتوا" قال الشيخ: "وهذا لا يَصِحُّ، لأنَّها: إمَّا / شرطيةٌ أو استفهاميةٌ، لا جائزٌ أن تكونَ شرطيةً لوجهين، أحدُهما: من جهة المعنى وهو أنَّها إذا كانَتْ شرطاً كانت ظرف مكانٍ كما تقدَّم، وحينئذ يقضتى الكلامُ الإِباحةَ في غير القُبُل وقد ثبت تحريمُ ذلك. والثاني: من جهةِ الصناعةِ. وهو أنَّ اسمَ الشرط لا يعملُ فيه ما قبله، لأنَّ له صدرَ الكلام، بل يعمل فيه فعلُ الشرط، كما أنه عاملٌ في فعلِ الشرطِ الجزمَ. ولا جائزٌ أن تكون استفهاماً؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعملُ فيه ما قبلَه لأنَّ له صدرَ الكلام، ولأنَّ "أنَّى" إذا كانَتْ استفهاميةً اكتفَتْ بما بعدَها من فعلٍ واسم نحو: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾﴿أَنَّى لَكِ هَاذَا﴾ وهذه في هذه الآية مفتقرٌ لِما قبلَها كما ترى، وهذا موضعٌ مُشْكِلٌ يَحْتَاجُ إلى تأمُّلٍ ونظرِ.
(٢/٣٩٨)
---


الصفحة التالية
Icon