الرابع: أنها في محلِّ جَرٍّ عطفُ بيان لأَيْمانكم، أي للأمورِ المَحْلُوفِ عليها التي هي البِرُّ والتقوى والإِصلاحِ. قال الشيخ: "وهو ضعيفٌ لِما فيه من جَعْل الأيمان بمعنى المَحْلوف عليه"، والظاهرُ أنها هي الأقسام التي يُقْسَمُ بها، ولا حاجةَ إلى تأويلها بما ذُكِر مِنْ كَوْنِها بمعنى المَحْلُوف عليها إذ لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ، وهذا بخلافِ الحديثِ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حَلَفْتَ على يمينٍ فرأيت غَيرها خيراً منها" فإنه لا بد من تأويله فيه بالمحلوف عليه، ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك في الآية الكريمة.
الخامسُ: أَنْ تكونَ في محلِّ جرٍ على البدلِ من "لأَيْمانكم" بالتأويل الذي ذكره الزمخشري، وهذا أَوْلَى من وجهِ عطفِ البيانِ، فإنَّ عَطْفَ البيانِ أكثرُ ما يكونُ في الأعلام.
السادس: - وهو الظاهرُ - أنَّها على إسقاطِ حرفِ الجر لا على ذكل الوجه المتقدم، بل الحرفُ غيرُ الحرفِ، والمتعلَّقُ غيرُ المتعلَّقِ، والتقديرُ: "لأِقْسامِكِم على أَنْ تَبَرُّوا" فـ"على" متعلقٌ بإقْسامكم، والمعنى: ولا تَجْعَلوا الله مُعَرَّضاً ومُتبدَّلاً لإِقسامكم على البرِّ والقتوى والإِصلاح التي هي أوصافُ جميلةٌ خوفاً من الحِنْثِ، فكيف بالإِقسام على ما ليس فيه بِرٌّ ولا تقوى !!!.
والعُرْضَةُ في اشتقاقها ثلاثةُ أقولا، أحدُها: أنها فُعْلَة بمعنى مَفْعول من العَرْض كالقُطْبَة والغُرْفَة. ومعنى الآية على هذا: لاَ تَجْعَلُوه مُعَرَّضاً للحَلْفِ من قولهم: فلانٌ عُرْضَةٌ لكذا أي: مُعَرَّضٌ، قال كعب:
٩٥٥ - من كلِّ نَضَّاخَة الذِّفْرَى إذا عَرِفَتْ * عُرضَتُها طامِسُ الأعلامِ مَجْهُولُ
وقال حبيب:
٩٥٦ - متى كانَ سَمْعي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ *يفَ صَفَتْ للعاذِلِين عَزائِمي
وقال حسان:
٩٥٧ -.................. * هُمُ الأنصارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ
وقال أوس:
(٢/٤٠٢)
---