وكلتا القِرَائتين على البِنَاء للمفعولِ، إلا أنَّ المضاعَفَ الثُّلاثِيَّ، كالمعْتَلِّ العَيْنِ منه، فيجوزُ في أوله ثلاثُ لغاتٍ، إخْلاَصُ الضَّمِّ، وإخلاصُ الكَسْرِ، والإشمامُ.
قوله: ﴿وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾، أيْ: كَفَى بجهنَّمَ [في] عذابِ الكُفَّارِ سعيراً والسَّعيرُ: الوقودُ، وهو تَميِيزٌ، فإنْ كان بِمَعْنَى: مُسَعَّرِ، فلا يَحْتَاجُ إلى حَذْفٍ.
قرأ الجمهورُ: «نصليهم» بِضَمِّ النونِ مِنْ أصْلَى، وحُمَيْدٌ: بِفَتْحِهَا مِنْ صَلَيْتُ ثُلاثِيَّا. قال القَرْطُبِيُّ: ونَصْبُ: «ناراً» على هذه القراءةِ، بِنَزْعِ الخَافِضِ تقديرهُ: بنارٍ. وقَرأ سَلاَّم، ويَعْقُوبُ: «نصليهُم» بضَمِّ الهَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ الحِجَازِ، وقد تَقَدَّمَ تَقْرِيرهُ.
وقال سِيبويْهِ: «سوف» [كَلِمَةٌ] تُذكَرُ لِلتَّهديدِ، والوَعِيدِ: يُقَالُ: سَوْفَ أفْعَلُ، وَينوبُ عَنْهَا حرفُ السين؛ كقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] وقد يردُ «سوف» و «السِّينُ» : في الوَعْدِ أيْضاً: قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٥]، وقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ [مريم: ٤٧]، وقال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي﴾ [يوسف: ٩٨]، قِيلَ، أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحر؛ تَحْقِيقاً للدعاءِ، وبالجملةِ، فالسَّينُ، وسَوْفَ: مَخْصُوصَتَانِ بالاسْتِقْبَالِ.
فصل في معنى قوله «بآياتنا»
يَدْخُلُ في الآيات كُلُّ مَا يَدُلُّ على ذاتِ اللهِ تعالى وصفته، وأفْعالِهِ، [وأسْمَائِه]، والملائكةِ، والكُتُبِ، والرسُلِ؛ وكُفْرُهُم قدْ يكونُ بالجَحْدِ، وقد يكونُ بِعَدَمِ النَّظْرِ فيها، وقد يكونُ بإلقاءِ الشكُوكِ والشُّبُهَاتِ فيها، وقَدْ يكونُ بإنْكَارِهَا؛ عِنَاداً، أو حَسَدَاً.
وقوله: «نَصْلِيهم» أيْ: نُدْخِلُهم النارَ، لكن قولُه: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ فيه زِيَادَةٌ على ذلك، فإنَّهُ بمنزلَةِ شَوَيتُهُ بالنارِ، يُقالُ شَاةٌ مَصْليَّةٌ، أيْ: مَشْوِيَّةٌ.
قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾، ﴿كُلَّمَا﴾ : ظَرْفُ زَمَانٍ، والعَامِلُ فيها ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾،