فالجواب: أنهم وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطِّلاعَ على آثار حِكْمَةِ الله - تعالى - في كُلِّ واحد من مَخْلُوقاتِ هذا العالم بحسب أجناسها، وأنواعها، وأشْخَاصها، وأحوالها مما لا يحصل إلاَّ لأكَابَر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، ولهذا كان عليه الصَّلاة والسَّلام يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ أرِنَا الأشْيَاء كَمَا هِيَ».

فصل في تفسير الملكوت


قال قتادةُ: «ملكوت السَّموات» : الشَّمْسُ، والقمر، والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال، والشَّجر، والبحار.
قوله: «وليكون» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن «الواو» زائدة، أي: نريه ليكون من المؤمنين بالله، و «اللام» متعلقة بالفعل قبلها، إلا أن زيادةَ «الواوِ» ضعيفة ولم يقل بها إلاَّ الأخْفَش ومن تابعه.
الثاني: أنها علَّة لمحذوف، وليكون اريناه إياه ذلك، والتقدير: وليكون من الموقنين برؤية مَلَكُوتِ السَّموات والأرض.
الثالث: أنها عطف على علَّةٍ محذوفة، أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحُجَّة على قَوْمِهِ، واليقين: عبارة عن عِلْمِ يحصل بعد زال الشُّبْهِةِ بسبب التَّأمُّلِ، ولهذا المعنى لا يُوصَفُ علم الله بكونه يقيناً؛ لأنّ علمه غير مَسْبُوقٍ بالشبهة، وغير مُسْتَفَادٍ من الفِكْرِ والتأمل.
قوله: «فَلَمَّا جَنَّ» يجوكزظ أن تكون هذه الجملة نَسَقاً على قوله: «وإذْ قاَلَ إبْرَاهِيمُ» عطفاً للدليل على مدلوله، فيكون «وكَذلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ» معترضاً كما تقدم، ويجوز أن تكون مَعْطُوفَةً على الجملة من قوله: «وكَذلِكَ نُري إبراهيم».
قال ابن عطيَّة: «الفاء» في قولهك «فَلَمَّا رَابِطَةٌ جملة ما بعدها بما قبلها، وهي ترجح أن المراد بالملكوت التَّفْضِيلُ المذكور في هذه الآية، والأوَّل أحسن، وإليه نحا الزمخشري.
و»
جَنَّ «: سَتَرَ وقد تقدم اشْتِقَاقُ هذه المادة عند ذكر ﴿الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] وهنا خصوصية لذكر الفِعْلِ المسند إلى الليل يقال: جَنَّ عليه الليلن وأجن عليه بمعنى: أظْلَمَ فيستعمل قاصراً، وجَنَّةُ، فيستعمل متعدياً فهذا مما اتفق فيه فَعَلَ وأفْعَلَ لزوماً


الصفحة التالية
Icon