إليه رؤوس المشركين، وقالوا: تَخَيَّرْ من أصْبَحِنَا وَجْهاً وادْفَعْ إلينا محمداً، فقال أبو طالب: ما أنْصَفْتُمُونِي أدْفَعُ إليكم ولدي لِتَقْتُلُوهُ وأرَبِّي وَلَدَكُمْ.
وروي أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دَعَاهُ إلى الإيمان فقال: لولا أن تُعِيِّرُني قُرَيْشٌ لأقرت بها عَينكَ، ولكن أذُبُّ عنك ما حييتُ، وقال فيه أبياتاً: [الكامل]
٢١٣٤ - واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بجَمْعِهِم | ْ حَتّى أوَسَّدَ فِي التُّرابِ دَفِينَا |
فَاصْدَعْ بأمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ | وابْشِرْ وَقَرَّ بِذاكَ مِنْكَ عُيُونَا |
وَدَعَوْتَنِي وَعَرفْتُ أنَّكَ نَاصِحي | وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أمِينَا |
وَعرَضْتَ دِنيا قَدْ عَلِمْتُ بأنَّهُ | مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا |
لَوْلاَ الملامَةُ أو حذارُ مَسَبَّة | ٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا |
أحدهما: أنَّ جميع الآيات المتقدمة في ذَمِّ طريقتهم، فلذلك كان يبغي أن يكون قولهم: «وهم ينهون عنه» مَحْمُولاً على أمْرٍ مذموم، وإذا حملناه على أنَّ أبا طالبٍ كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النَّظْمُ.
وثانيهما: قوله تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم﴾ يعني به ما تقدم ذكره، ولا يَليقُ ذلك النهي عن أذِنَّيِهِن لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك.
فإن قيل: إنَّ ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم﴾ يرجع إلى قوله: ﴿يَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ لا قوله: «ينهون عنه» ؛ لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمُفَارَقَةِ دينه وترك موافقته وذلك ذَمٌّ.
فالجوابُ أن ظاهر قوله: ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم﴾ يرجعُ إلى كل ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ، كما يقال: «فلان يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه، ولا يَضُرُّ بذلك إلاَّ نفسه»، فلا يكون هذا الضرر متعلّقاً بأحد الأمرين دون الآخر.