المحرر الوجيز، ج ٢، ص : ١١١
اللّه يعلم حقيقة الأمر فلا يمكن أن يلبس عليه بجدال ولا غيره، كما فعلتم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم، إذ هو بشر يقضي على نحو ما يسمع.
ولما تمكن هذا الوعيد وقضت العقول بأن لا مجادل للّه ولا وكيل يقوم بأمور العصاة عنده، عقب ذلك هذا الرجاء العظيم، والمهل المنفسح بقوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
الآية. منحى من عمل السوء، وهما بمعنى واحد تكرر باختلاف لفظ مبالغة، واستغفار اللّه تعالى مع التحقيق في ذلك توبة وقوله تعالى : يَجِدِ اللَّهَ
استعارة، لما كانت الرحمة والغفران معدة للمستغفرين التائبين، كانوا كالواجدين لمطلوب، وكأن التوبة ورود على رحمة اللّه وقرب من اللّه، وقال عبد اللّه بن مسعود يوما في مجلسه : كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد كتبت كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئا من ثيابه قرضه بالمقراضين، فقال رجل من القوم : لقد آتى اللّه بني إسرائيل خيرا، فقال عبد اللّه : ما آتاكم اللّه خير مما آتاهم، جعل لكم الماء طهورا، وقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
الآية وهذه آية وعد بشرط المشيئة على ما تقتضيه عقيدة أهل السنة، وفضل اللّه مرجو وهو المستعان.
قوله تعالى :
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١١ الى ١١٣]
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
تقدم القول في معنى «الكسب»، «و الإثم» الحكم اللاحق عن المعصية، ونسبة المرء إلى العقوبة فيها، وقوله : فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
أي إياها يردي وبها يحل المكروه.
وقوله تعالى : خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً
ذهب بعض الناس إلى أنهما لفظان بمعنى كرر لاختلاف اللفظ، وقال الطبري : إنما فرق بين «الخطيئة والإثم» أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وهذه الآية لفظها عام، ويندرج تحت ذلك العموم وتوبيخه أهل النازلة المذكورة، «و بري ء» النازلة قيل : هو لبيد بن سهل، وقيل : هو زيد بن السمين اليهودي، وقيل : أبو مليل الأنصاري، وقوله تعالى : فَقَدِ احْتَمَلَ
تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات، وبُهْتاناً
معناه : كذبا على البريء، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : إذا قلت في أخيك ما فيه مما يكره سماعه فقد اغتبته، فإن قلت ما ليس فيه فقد بهته، فرمي البريء بهت له ونفس الخطيئة والإثم إثم مبين، ومعصية هذا الرامي معصيتان.