المحرر الوجيز، ج ٢، ص : ١٣٨
وينذرون بالنار من كفر وعصى، وأراد اللّه تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول : لو بعث إليّ الرسول لآمنت، واللّه تعالى عزيز لا يغالبه شيء ولا حجة لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة، فكذلك قطع الحجة بالرسل حكمة منه تعالى.
وقوله تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ الآية، سببها قول اليهود ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام :
٩١] وقال بعضهم لمحمد عليه السلام : ما نعلم يا محمد أن اللّه أرسل إليك ولا أنزل عليك شيئا، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والجراح الحكمي «لكنّ اللّه يشهد» بشد النون ونصب المكتوبة على اسم «لكن» وقوله تعالى : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ هذه الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم اللّه تعالى خلافا للمعتزلة في أنهم يقولون : عالم بلا علم، والمعنى عند أهل السنة : أنزله وهو يعلم إنزاله ونزوله، ومذهب المعتزلة في هذه الآية أنه أنزله مقترنا بعلمه، أي فيه علمه من غيوب وأوامر ونحو ذلك، فالعلم عبارة عن المعلومات التي في القرآن، كما هو في قول الخضر : ما نقص علمي وعلمك من علم اللّه إلا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، معناه : من علم اللّه الذي بث في عباده، وقرأ الجمهور «أنزل» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الحسن «أنزل» بضم الهمزة على بنائه للمفعول، وقوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ تقوية لأمر محمد عليه السلام ورد على اليهود، قال قتادة : شهود واللّه غير متهمة، وقوله تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً تقديره : وكفى اللّه شهيدا، لكن دخلت الباء لتدل على أن المراد باللّه.
ثم أخبر تعالى عن الكافرين الذين يصدون الناس عن سبيل اللّه أنهم قد بعدوا عن الحق وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً لا يقرب رجوعهم عنه ولا تخلصهم معه، وقرأ عكرمة وابن هرمز «و صدوا» بضم الصاد.
ثم أخبر تعالى عن الكافرين الظالمين في أن وضعوا الشيء في غير موضعه، وهو الكفر باللّه، واللّه تعالى يستوجب منهم غير ذلك لنعمه الظاهرة والباطنة أنهم بحيث لم يكن ليغفر لهم، وهذه العبارة أقوى من الإخبار المجرد أنه لا يغفر، ومثال ذلك أنك إذا قلت : أنا لا أبيع هذا الشيء فهم منك الاغتباط به، فإذا قلت : أنا ما كنت لأبيع هذا الشيء، فالاغتباط منك أكثر، هذا هو المفهوم من هذه العبارة، وقوله تعالى :
وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ هذه هداية الطرق وليست بالإرشاد على الإطلاق. وباقي الآية بيّن يتضمن تحقير أمر الكفار، وأنهم لا يباليهم اللّه بالة كما ورد في الحديث، يذهب الصالحون الأول فالأول، حتى تبقى حثالة كحثالة التمر لا يباليهم اللّه بالة، المعنى : إذ هم كفار في آخر الزمان وعليهم تقوم الساعة.
قوله تعالى :
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٧٠ الى ١٧١]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١)
المخاطبة بقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ مخاطبة لجميع الناس، والسورة مدنية، فهذا مما خوطب به جميع