المحرر الوجيز، ج ٢، ص : ٣٣١
وظاهرها، و«البصائر» جمع بصيرة وهي ما يتفق عن تحصيل العقل للأشياء المنظور فيها، بالاعتبار، فكأنه قال قد جاءكم في القرآن والآيات طرائق إبصار الحق والمعينة عليه، والبصيرة للقلب مستعارة من إبصار العين، والبصيرة أيضا هي المعتقد المحصل في قول الشاعر [الأسعر الجعفي ] :[الكامل ]
راحوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتد وأي
وقال بعض الناس في هذا البيت البصيرة طريقة الدم، والشاعر إنما يصف جماعة مشوا به في طلب دم ففتروا فجعلوا الأمر وراء ظهورهم، وقوله تعالى : فَمَنْ أَبْصَرَ ومَنْ عَمِيَ عبارة مستعارة فيمن اهتدى ومن ضل، وقوله وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ كان في أول الأمر وقبل ظهور الإسلام ثم بعد ذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حفيظا على العالم آخذا لهم بالإسلام والسيف، وقوله تعالى : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ الآية، الكاف في قوله وَكَذلِكَ في موضع نصب ب نُصَرِّفُ أي ومثل ما بينا البصائر وغير ذلك نصرف الآيات أي نرددها ونوضحها وقرأت طائفة «و ليقولوا درست» بسكون اللام على جهة الأمر ويتضمن التوبيخ والوعيد.
وقرأ الجمهور «و ليقولوا» بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة كقوله فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص : ٨] إلى ذلك، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي «درست» أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما تجيبنا به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «دارست» أي أنت يا محمد دارست غيرك في هذه الأشياء أي قارأته وناظرته، وهذا إشارة منهم إلى سلمان وغيره من الأعاجم واليهود، وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة «درست» بإسناد الفعل إلى الآيات كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم وامحت، قال أبو علي واللام في لِيَقُولُوا على هذه القراءة بمعنى لئلا يقولوا أي صرفت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه الأساطير قديمة قد بليت وتكررت على الأسماع، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة، وقرأت فرقة «دارست» كأنهم أرادوا دراستك يا محمد أي الجماعة المشار إليها قبل من سلمان واليهود وغيرهم، وقرأت فرقة «درست» بضم الراء وكأنها في معنى درست أي بليت، وقرأ قتادة «درست» بضم الدال وكسر الراء وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه ورويت عن الحسن، قال أبو الفتح في «درست» ضمير الآيات، ويحتمل أن يراد عفيت وتنوسيت، وقرأ أبي بن كعب «درس» وهي في مصحف عبد اللّه، قال المهدوي وفي بعض مصاحف عبد اللّه أيضا «درس»، ورويت عن الحسن، وقرأت فرقة «درّس» بتشديد الراء على المبالغة في درس، وهذه الثلاثة الأخيرة مخالفة لخط المصحف، واللام في قوله ولِيَقُولُوا وفي قوله وَلِنُبَيِّنَهُ متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود «و لتبينه» بالتاء على مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقرأه فرقة «و ليبينه» بياء أي اللّه تعالى، وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا مضمرة بعد أن المقدرة في قوله وَلِيَقُولُوا فتقدير الكلام عندهم وأن لا يقولوا كما
أضمروها في قوله يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء : ١٧٦].
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا في موضع من المواضع.