المحرر الوجيز، ج ٣، ص : ٦٤
الأعرج وجماعة معه «جهدهم» بالفتح، وقيل هما بمعنى واحد، وقاله أبو عبيدة، وقيل هما لمعنيين الضم في المال والفتح في تعب الجسم، ونحوه عن الشعبي، وقوله : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ يصح أن يكون خبر ابتداء تقديره هم الذين، ويصح أن يكون ابتداء وخبره سَخِرَ، وفي سَخِرَ معنى الدعاء عليهم.
ويحتمل أن يكون خبرا مجردا عن الدعاء، ويحتمل أن يكون الَّذِينَ صفة جارية على ما قبل كما ذكرت أول الترجمة، وقوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى إن استغفرت أو لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم، فيكون مثل قوله تعالى :
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [التوبة : ٥٣] وبمنزلة قول الشاعر :[كثير]
أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت
وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية، والمعنى الثاني الذي يحتمله اللفظ أن يكون تخييرا، كأنه قال له : إن شئت فاستغفر وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سَبْعِينَ مَرَّةً، وهذا هو الصحيح لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتبيينه ذلك.
وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول اللّه، أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك اللّه أنه لا يغفر لهم، فقال له «يا عمر إن اللّه قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت»، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى اللّه عليه وسلم الصلاة على عبد اللّه بن أبي ابن سلول، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقينا عنده، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى اللّه عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر.
وفي هذه الألفاظ التي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من اللّه عز وجل، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل الخطاب، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى : في سورة المنافقون سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [المنافقون : ٦]، ولمالك رحمه اللّه مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب، منها قوله : إن المدرك للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم، قال :«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فاقتضى دليل الخطاب أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك، وله مسائل تقتضي رفض دليل الخطاب، منها قول النبي صلى اللّه عليه وسلم، «و في سائمة الغنم الزكاة» فدليل الخطاب أن لا زكاة في غير السائمة، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة، ومنها أن اللّه عز وجل يقول في الصيد مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً [المائدة : ٩٥] فقال مالك : حكم المخطئ والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا، وأما تمثيله «السبعين» دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيرا ما يجيء غاية وتحقيقا في الكثرة، ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن التصريف الذي يكون من


الصفحة التالية
Icon