المحرر الوجيز، ج ٣، ص : ٧٩
قوله عز وجل :
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
قرأ جمهور الناس «أَ لَمْ يَعْلَمُوا» على ذكر الغائب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف عنه «ألم تعلموا» على معنى قل لهم يا محمد «أ لم تعلموا»، وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب بالتاء من فوق، والضمير في يَعْلَمُوا قال ابن زيد : يراد به الذين لم يتوبوا من المتخلفين، وذلك أنهم لما تيب على بعضهم قال الغير ما هذه الخاصة التي خص بها هؤلاء؟ فنزلت هذه الآية، ويحتمل أن يكون الضمير في يَعْلَمُوا يراد به الذين تابوا وربطوا أنفسهم، وقوله هو تأكيد لانفراد اللّه بهذه الأمور وتحقيق لذلك، لأنه لو قال إن اللّه يقبل التوبة لاحتمل، ذلك أن يكون قبول رسوله قبولا منه فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك، وقوله وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ معناه يأمر بها ويشرعها كما تقول أخذ السلطان من الناس كذا إذا حملهم على أدائه.
وقال الزجّاج : معناه ويقبل الصدقات، وقد وردت أحاديث في أخذ اللّه صدقة عبيده، ومنها قوله صلى اللّه عليه وسلم الذي رواه عبد اللّه بن أبي قتادة المحاربي عن ابن مسعود عنه :«إن العبد إذا تصدق بصدقة وقعت في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل»، ومنها قوله الذي رواه أبو هريرة :«إن الصدقة تكون قدر اللقمة يأخذها اللّه بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل»، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة العبد، فقد يحتمل أن تخرج لفظة وَيَأْخُذُ على هذا، ويتعلق بهذه الآية القول في قبول التوبة، وتلخيص ذلك أن قبول التوبة من الكفر يقطع به عن اللّه عز وجل إجماعا، وهذه نازلة هذه الآية، وهذه الفرقة التائبة من النفاق تائبة من كفر، وأما قبول التوبة من المعاصي فيقطع بأن اللّه تعالى يقبل من طائفة من الأمة توبتهم، واختلف هل تقبل توبة الجميع، وأما إذا عين إنسان تائب فيرجى قبول توبته ولا يقطع بها على اللّه، وأما إذا فرضنا تائبا غير معين صحيح التوبة فهل يقطع على اللّه بقبول توبته أم لا، فاختلف فقالت فرقة فيها الفقهاء والمحدثون - وهو كان مذهب أبي رضي اللّه عنه - يقطع على اللّه بقول توبته لأنه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن تقبل توبة جميع التائبين، وذهب أبو المعالي وغيره من الأئمة إلى أن ذلك لا يقطع به على اللّه تعالى بل يقوى فيه الرجاء، ومن حجتهم أن الإنسان إذا قال في الجملة إني لا أغفر لمن ظلمني ثم جاء من قد سبه وآذاه فله تعقب حقه، وبالغفران لقوم يصدق وعده ولا يلزمه الغفران لكل ظالم.
قال القاضي أبو محمد : ونحو هذا من القول، والقول الأول أرجح واللّه الموفق للصواب، وقوله تعالى عَنْ عِبادِهِ هي بمعنى «من»، وكثيرا ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه، تقول لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى، وفعل فلان ذلك من أشره وبطره وعن أشره وبطره، وقوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا تقرير،


الصفحة التالية
Icon