المحرر الوجيز، ج ٣، ص : ٨٣
وأسند الطبري في ذلك عن أبي سعيد الخدري أنه قال : اختلف رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف فقال الخدري : هو مسجد الرسول وقال الآخر : هو مسجد قباء فأتيا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألاه فقال : هو مسجدي هذا، وفي الآخر خير كثير إلى كثير من الآثار في هذا عن أبي بن كعب وسهل بن سعد.
قال القاضي أبو محمد : ومسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كان في بقعته نخل وقبور مشركين ومريد ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة، وبناه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات، الأولى بالسميط وهي لبنة أمام لبنة، والثانية بالصعيدة، وهي لبنة ونصف في عرض الحائط، والثالثة بالأنثى والذكر، وهي لبنتان تعرض عليهما لبنتان، وكان في طوله سبعون ذراعا وكان عمده النخل وكان عريشا يكف في المطر، وعرض على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنيانه ورفعه فقال : لا بل يكون عريشا كعريش أخي موسى كان إذا قام ضرب رأسه في سقفه.
وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينقل فيه اللبن على صدره، ويقال إن أول من وضع في أساسه حجرا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم وضع أبو بكر حجرا، ثم وضع عمر حجرا، ثم وضع عثمان حجرا، ثم رمى الناس بالحجارة فتفاءل بذلك بعض الصحابة في أنها الخلافة فصدق فأله، قوله : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ قيل معناه منذ أول يوم، وقيل معناه من تأسيس أول يوم، وإنما دعا إلى هذا الاختلاف أن من أصول النحويين أن «من» لا تجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان بمنذ، تقول ما رأيته منذ يومين أو سنة أو يوم، ولا تقول من شهر ولا من سنة ولا من يوم، فإذا وقعت «من» في الكلام وهي تلي زمنا فيقدر مضمر يليق أن تجره «من» كقول الشاعر :[زهير بن أبي سلمى ]
لمن الديار كقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهر
ومن شهر رواية، فقدروه من مر حجج ومن مر دهر، ولما كان «أول يوم» يوما وهو اسم زمان احتاجوا فيه إلى تقدير من تأسيس، ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير وأن تكون «من» تجر لفظة «أول» لأنها بمعنى البدأة كأنه قال من مبتدأ الأيام، وهي هاهنا تقوم مقام المر في البيت المتقدم، وهي كما تقول جئت من قبلك ومن بعدك وأنت لا تدل بهاتين اللفظتين إلا على الزمن، وقد حكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو، ومعنى أَنْ تَقُومَ فِيهِ أي بصلاتك وعبادتك، وقرأ جمهور الناس «أن تقوم فيه فيه رجال» بكسر الهاء، وقرأ عبد اللّه بن زيد «أن تقوم فيه فيه» بضم الهاء الثانية على الأصل ويحسنه تجنب تكرار لفظ واحد، وقال قتادة وغيره : الضمير عائد على مسجد الرسول، و«الرجال» جماعة الأنصار.
وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لهم : يا معشر الأنصار إني رأيت اللّه أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون؟ فقالوا يا رسول اللّه إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء.
قال القاضي أبو محمد : يريد الاستنجاء بالماء، ففعلنا نحن ذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فلا تدعوه أبدا، وقال عبد اللّه بن سلام وغيره ما معناه : إن الضمير عائد على مسجد قباء والمراد بنو عمرو بن عوف.