المحرر الوجيز، ج ٣، ص : ٨٥
والكسائي وجماعة «جرف» بضم الراء، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وجماعة «جرف» بسكون الراء، واختلف عن عاصم. وهما لغتان، وقيل الأصل ضم الراء وتخفيفها بعد ذلك مستعمل وهارٍ : معناه متهدم منهال وهو من هار يهور ويقال هار يهير ويهير، وأصله هاير أو هاور، فقيل قلبت راؤه قبل حرف العلة فجاء هارو أو هاري فصنع به ما صنع بقاض وغاز، وعلى هذا يقال في حال النصب هاريا، ومثله في يوم راح أصله رايح ومثله شاكي السلاح أصله شايك ومثله قول العجاج :[الوافر] لاث به الأشاء والعبري أصله لايث.
ومثله قول الشاعر [الأجدع الهمداني ] :[الكامل ] خفضوا أسنتهم فكلّ ناع على أحد الوجهين :
فإنه يحتمل أنه من نعى ينعي والمراد أنهم يقولون يا ثارات فلان، ويحتمل أن يريد فكلهم نايع أي عاطش كما قال عامر بن شييم، والأسل النياعا وقيل في هارٍ إن حرف علته حذف حذفا فعلى هذا يجري بوجوه الإعراب، فتقول : جرف هار ورأيت جرفا هارا، ومررت بحرف هار.
واختلف القراء في إمالة هارٍ وانهار، وتأسيس البناء على تقوى إنما هو بحسن النية فيه وقصد وجه اللّه تعالى وإظهار شرعه، كما صنع بمسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم وفي مسجد قباء.
والتأسيس عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنما هو بفساد النية وقصد الرياء والتفريق بين المؤمنين، فهذه تشبيهات صحيحة بارعة، وخَيْرٌ في هذه الآية تفضيل ولا شركة بين الأمرين في خير إلا على معتقد يأتي مسجد الضرار، فبحسب ذلك المعتقد صح التفضيل، وقوله فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ الظاهر منه وما صح من خبرهم وهدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسجدهم أنه خارج مخرج المثل، أي مثل هؤلاء المضارين من المنافقين في قصدهم معصية اللّه وحصولهم من ذلك على سخطه كمن ينهار بنيانه في نار جهنم، ثم اقتضب الكلام اقتضابا يدل عليه ظاهره، وقيل بل ذلك حقيقة وإن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة وابن جريج.
وروي عن جابر بن عبد اللّه وغيره أنه قال : رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
وروي في بعض الكتب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة ففزع لذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
وروي أنهم لم يصلوا فيه أكثر من ثلاثة أيام أكملوه يوم الجمعة وصلوا فيه يوم الجمعة وليلة السبت وانهار يوم الاثنين.
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله بإسناد لين، وما قدمناه أصوب وأصح، وكذلك بقي أمره والصلاة فيه من قبل سفر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك إلى أن يقبل صلى اللّه عليه وسلم.