المحرر الوجيز، ج ٤، ص : ١٣٣
عنده علم كل شيء ليقع الحكم في معلوم، فخرجت العبارة على طريق التنبيه على علم اللّه تعالى وإحاطته وإِنَّ ذلِكَ كله فِي كِتابٍ وهو اللوح المحفوظ وقوله : إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، يحتمل أن تكون الإشارة إلى كون ذلك في كتاب وكونه معلوما، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الحكم في الاختلاف. ثم ذكر تعالى على جهة التوبيخ فعل الكفرة في أنهم يَعْبُدُونَ من الأصنام مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ اللّه فيه حجة ولا برهانا.
و«السلطان»، الحجة حيث وقع في القرآن، وقوله وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ، توعد، والضمير في عَلَيْهِمْ عائد على كفار قريش، والمعنى أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن من النبي عليه السلام أو من أحد من أصحابه وسمعوا ما فيه من رفض آلهتهم والدعاء إلى التوحيد عرفت المساءة في وجوههم والمنكر من معتقدهم وعداوتهم وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتالي، والمعنى أنهم يَكادُونَ يَسْطُونَ دهرهم أجمع، وأما في الشاذ من الأوقات فقد سطا بالتالين نحو ما فعل بعبد اللّه بن مسعود وبالنبي عليه السلام حين أغاثه، وحل الأمر أبو بكر، وبعمر حين أجاره العاصي بن وائل وأبي ذر وغير ذلك، والسطو إيقاع بمباطشة أو أمر بها، ثم أمر اللّه تعالى نبيه أن يقول لهم على جهة الوعيد والتقريع أَفَأُنَبِّئُكُمْ أي أخبركم بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ والإشارة ب ذلِكُمُ إلى السطو ثم ابتدأ ينبىء كأن قائلا قال له وما هو قال النَّارُ أي نار جهنم، وقوله وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يحتمل أن يكون أراد أن اللّه تعالى وعدهم بالنار فيكون الوعد في الشر ونحو ذلك لما نص عليه، ولم يجىء مطلقا، ويحتمل أن يكون أراد أن اللّه تعالى وعد النار بأن يطعمها الكفار فيكون الوعد على بابه إذ الذي يقتضيه تسرعها إلى الكفار وقولها هل من مزيد ونحوه أن ذلك من مسارها، والْمَصِيرُ مفعل من صار إذا تحول من حال إلى حال ع، ويقتضي كلام الطبري في هذه الآية أن الإشارة ب ذلِكُمُ هي إلى أصحاب محمد التالين ثم قال : ألا أخبركم بأكره إليكم من هؤلاء أنتم الذين وعدتم النار وأسند نحو هذا القول إلى قائل لم يسمه وهذا كله ضعيف.
قوله عز وجل :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٣ الى ٧٤]
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)
الخطاب بقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ قيل هو خطاب يعم العالم، وقيل هو خطاب للمؤمنين حينئذ الذين أراد اللّه تعالى أن يبين عندهم خطأ الكافرين ولا شك أن المخاطب هم ولكنه خطاب يعم جميع الناس.
متى نظره أحد في عبادة الأوثان توجه له الخطاب واختلف المتأولون في فاعل، ضُرِبَ، من هو فقالت فرقة : المعنى ضُرِبَ أهل الكفر مثلا للّه أصنامهم وأوثانهم فاستمعوا أنتم أيها الناس لأمر هذه الآلهة، وقالت فرقة : ضُرِبَ اللّه مثلا لهذه الأصنام وهو كذا وكذا، فالمثال والمثل في القول الأول هي الأصنام والذي جعل له المثال اللّه تعالى، والمثال في التأويل الثاني هو في الذباب وأمره والذي جعل له هي الأصنام، ومعنى ضُرِبَ أثبت وألزم وهذا كقوله ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [آل عمران : ١١٢]،