معاني القرآن، ج ١، ص : ١٣٨
و أمّا قول الشاعر :
فيا عجبا حتى كليب تسبّنى كأنّ أباها نهشل أو مجاشع «١»
فإنّ الرفع فيه جيّد وإن لم يكن قبله اسم لأنّ الأسماء التي تصلح بعد حتى منفردة إنما تأتى من المواقيت كقولك : أقم حتى الليل. ولا تقول أضرب حتى زيد لأنه ليس بوقت فلذلك لم يحسن إفراد زيد وأشباهه، فرفع بفعله، فكأنه قال :
يا عجبا أتسبّنى اللئام حتى يسبنى كليبىّ «٢». فكأنه عطفه على نيّة أسماء قبله. والذين خفضوا توهموا فى كليب ما توهموا فى المواقيت، وجعلوا الفعل كأنه مستأنف بعد كليب كأنه قال : قد انتهى بي «٣» الأمر إلى كليب، فسكت، ثم قال : تسبنى.
وقوله : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ... (٢٠٥)
تجعل «ما» فى موضع نصب وتوقع عليها «يُنْفِقُونَ»، ولا تنصبها ب (يسألونك) لأنّ المعنى : يسألونك أىّ شىء ينفقون. وإن شئت رفعتها من وجهين أحدهما أن تجعل «ذا» اسما يرفع ما، كأنك قلت : ما الذي ينفقون.
والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي فيقولون : ومن ذا يقول ذاك؟
فى معنى : من الذي يقول ذاك؟ وأنشدوا «٤» :
«٥»
عدس ما لعبّاد عليك إمارة أمنت وهذا تحملين طليق
(٢) كذا فى ش، ج. والأنسب :
«كليب».
(٣) فى ش، ج :«فى».
(٤) فى أ: «أنشدونا».
(٥) عدس :
اسم صوت لزجر البغل. وعباد هو ابن زياد. وهذا من شعر قاله يزيد بن مفرّغ الحميرى فى عباد. وكان يزيد قد أكثر من هجوه، حتى حبسه وضيق عليه، حتى خوطب فى أمره معاوية فأمر بإطلاق سراحه، فلما خرج من السجن قدّمت له بغلة فركبها فنفرت، فقال هذا الشعر. وانظر الخزانة ٢/ ٥١٤.