معاني القرآن، ج ١، ص : ١٧٢
و قوله : كَمْ لَبِثْتَ وقد جرى الكلام بالإدغام للثاء لقيت التاء وهى مجزومة «١».
وفى قراءة عبد اللّه (اتّختّم العجل) «٢» (وإنى عتّ بربي وربكم) «٣» فأدغمت الذال أيضا عند التاء. وذلك أنهما متناسبتان فى قرب المخرج، والثاء والذال مخرجهما ثقيل، فأنزل الإدغام بهما لثقلهما ألا ترى أن مخرجهما من طرف اللسان. وكذلك الظاء تشاركهن فى الثقل. فما أتاك من هذه الثلاثة الأحرف فأدغم. وليس تركك الإدغام بخطأ، إنما هو استثقال. والطاء والدال يدغمان عند التاء أيضا إذا أسكنتا كقوله :«أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ» «٤» تخرج الطاء فى اللفظ تاء، وهو أقرب إلى التاء من الأحرف الأول، تجد ذلك إذا امتحنت مخرجيهما.
وقوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ جاء التفسير : لم يتغير [بمرور السنين عليه «٥»، مأخوذ من السنة]، وتكون الهاء من أصله [من «٦» قولك : بعته مسانهة، تثبت وصلا ووقفا. ومن وصله بغير هاء جعله من المساناة لأن لام سنة تعتقب عليها الهاء والواو]، وتكون زائدة صلة بمنزلة قوله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٧» فمن جعل الهاء زائدة جعل فعّلت «٨» منه تسنيت ألا ترى أنك تجمع السنة سنوات فيكون تفعّلت على صحة، ومن قال فى [تصغير] «٩» السنة سنينة وإن كان ذلك قليلا جاز أن يكون تسنيت تفعّلت أبدلت النون بالياء لمّا كثرت النونات، كما قالوا تظنّيت وأصله الظن. وقد قالوا هو مأخوذ من قوله «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» «١٠» يريد : متغيّر. فإن يكن كذلك فهو أيضا مما أبدلت نونه ياء. ونرى أن معناه مأخوذ من السنة أي لد بن ثابت كذلك، والإنشاز نقلها إلى موضعها.
وقرأها ابن عباس «ننشرها». إنشارها : إحياؤها. واحتجّ بقوله :«ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ» «٢» وقرأها الحسن - فيما بلغنا - (ننشرها) ذهب إلى النشر والطىّ. والوجه أن تقول : أنشر اللّه الموتى فنشروا إذا حيوا، كما قال الأعشى :
يا عجبا للميت الناشر «٣»
و سمعت بعض بنى الحارث يقول : كان به جرب فنشر، أي عاد وحيى. وقوله :
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ جزمها «٤» ابن عبّاس، وهى فى قراءة

(١) هذا الشعر لسويد بن الصامت الأنصارىّ الصحابىّ، يذكر نخله التي يدان عليها. والعرايا جمع العرية، وهى النخلة التي يوهب ثمرها لعامها. وانظر الإصابة، واللسان (عرى).
(٢) آية ٢٢ سورة عبس.
(٣) قبله :


الصفحة التالية
Icon