تفسير الوسيط (الزحيلي)، ج ١، ص : ٤١٤
و حقيقة الوحي الإلهي : عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قبل اللّه بواسطة أو بغير واسطة. وقد أبانت الآيات أن الإيحاء لنبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مثل الإيحاء للأنبياء السابقين، كالمشهورين مثل نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب المسمى إسرائيل، والأسباط (و هم أولاد يعقوب وذريته) وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وداود الذي أنزل اللّه عليه كتاب الزّبور : وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها أحكام، وإنما هي حكم ومواعظ وتمجيد وثناء على اللّه تعالى.
ومن هؤلاء الرسل المكرمين عند اللّه تعالى : موسى الذي خصّه اللّه بتكليمه وشرفه بكلامه مباشرة من غير واسطة، وذلك بكيفية وخواص، اللّه أعلم بها، فهو كلام دون تكييف ولا تحديد ولا تجويز حدوث ولا حروف ولا أصوات. وكلام اللّه هو المعنى القائم في النفس، ويخلق اللّه لموسى أو جبريل إدراكا من جهة السمع يتحصل به الكلام، وكما أن اللّه تعالى موجود لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات، فكذلك كلامه لا كالكلام المعهود المألوف بين البشر.
والرّسل منهم من أخبر اللّه نبيّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأسمائهم ومعجزاتهم ومنهم من لم يخبره بشي ء عن سيرتهم وزمانهم ومكانهم.
ومهمة الرّسل والأنبياء واحدة هي تبشير من آمن بالله وأطاع بالجنة، وإنذار من كفر وعصى بالنار. والحكمة من إرسالهم إرشاد الناس إلى طريق الحق والإيمان والاستقامة، وأراد اللّه تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول : لو بعث إلي لآمنت، واللّه تعالى عزيز لا يغالبه شي ء، ولا حجة لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة بالغة، يضع الشي ء في موضعه المناسب، فلذلك تحقق بهذا الإرسال للرّسل قطع الحجة، وكان إرسال الرّسل حكمة من اللّه تعالى.
وقوله تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ.. سببه قول اليهود :(ما أنزل